محن العرب الحبلى بالمنح
عندما تستشرف نكتة من اليمن السعيد أفول النجم الأمريكي، وتنخر “الأردة” العربية منسأة الإمبراطور، فلا مجال لمشاعر اليأس والإحباط حين تسقط نخب زمن الانحطاط، لأن سقوطها شرط من أشراط قيام النخب المؤهلة لقيادة الانبعاث، ولأن الظاهر من المحن قد يحجب ما فيها من للمنح.
في السبعينيات من القرن الماضي، كان الطلبة يداعبون زملاءهم من اليمن السعيد بنكتة كانت رائجة بين اليمنيين تقول: أن جماعة من اليمينيين ساءهم ما كان عليه بلدهم من تخلف، فاستعرضوا ما حضرهم من الحلول، وقد رأوا من حولهم كيف أن الدول التي احتلتها الولايات المتحدة مثل: ألمانيا، واليابان، وكوريا الجنوبية، قد تحولت إلى دول حديثة متقدمة ومزدهرة، فاقترح أحدهم أن يستدعي اليمنيون الأمريكان لاحتلال اليمن، عسى أن يتحقق لليمن ما تحقق للألمان واليابانيين والكوريين، فوجد الاقتراح استحسانا من أكثرية الجماعة، لولا أن أحدهم قال مستخفا بقصر رفاقه: وماذا أنتم فاعلون لو جاء الأمريكان وهزمناهم؟
.
“هبنقة” اليمن يستشرف هزيمة أمريكا
بيت القصيد في النكتة هو في السؤال الغريب، الذي أدخل فرضية لم تكن لتحضر بال إنسان عاقل، بالنظر إلى الفارق في القوة، واستبعاد العقلاء لمثل هذا الاحتمال. غير أن مرور ثلاثة عقود على تداول هذه النكتة، ظهر أن “هبنقة” الجماعة كان أكثرهم فطنة، لأن الفرضية صارت واقعا في أكثر من موطن من جغرافية العالم العربي والإسلامي البائس، فقد احتل الأمريكان وحلفاؤهم من هو أقوى من اليمن في عراق صدام، ومن هو أضعف منه في أفغانستان طالبان.
الآن لا يحق لأحد أن يداعب اليمنيين بهذه النكتة، لأن النكتة الأشنع منها أن تهزم دولة طالبان، وهي تدير أفغانستان بأقل من مائة مليون دولار، أغنى وأقوى دولة في العالم، حجم ميزانيتها العسكرية يعادل إجمالي ميزانيات الجيوش في العالم.
وتكون النكتة أقبح، ومرتدة على أصحابها، حين تعلم أن الولايات المتحدة قد أنفقت، في حربها في العراق وحده، أكثر من ألف مليار ككلفة مباشرة، والضعف مع اعتبار الخسائر الجانبية في الاقتصاد، وفقدان مناطق نفوذ جديدة، فضلا عن الخسائر التي لا تعوض في قوتها الناعمة وردائها الأخلاقي,
وما خفي عنا من حجم تراجع الهيمنة الأمريكية، بعد العدوان على العراق وأفغانستان، جاء الربيع العربي ليفضحه بالكامل، في ما نراه من انكسار هيبتها، وخيبة حلفائها في الحرب السورية، ثم في هذا الارتداد المروع لمشهد الربيع إلى خريف ثم إلى شتاء، في الدول التي احتفى بها الغرب والولايات المتحدة قبل ثلاث سنوات، كحالة من الانتصار المعلن قبل أوانه للنموذج الديمقراطي الغربي، تماما كما خيل لبوش أن يعلن الانتصار قبل أن تصله التقارير الأولية حول بداية المقاومة العراقية.
.
“أردة” العرب تنخر “منسأة” الإمبراطور
في جميع هذه الساحات هزم الأمريكان والغرب شر هزيمة، حتى وإن كانوا قد نجحوا في تخريب الدول العربية والإسلامية المستهدفة بمشروع الشرق الأوسط الكبير، وتركوها وهي أطلال، كما سيتركون الدول التي غزوها بحراك المتشابه من ربيع الشعوب، وهي على أبواب حروب أهلية، أو على الأقل ذلك ما يتمنونه، ويجتهدون له ضمن مخطط (ب) الذي تلجأ إليه قوى الاستعمار والاستكبار حين تفشل في إخضاع الشعوب لإرادتها.
حتى العسكري المصري، المتهم اليوم بجريمة الانقلاب، يكون قد دخل في حالة عصيان تجاه رب البيت الأبيض، ويرفض كما تقول مصادر غربية الرد على “مهاتفات” أوباما. وما كان لخادم الحرمين الشريفين، قبل أعوام قليلة، أن يظهر مثل هذا الدعم العلني للسلطة المصرية الجديدة، في اليوم الموالي لخطاب أوباما المشبع بالتهديد للانقلابيين، وقد استأسد بعده كثير من أمراء الخليج، وكأن انقلابا كونيا قد حصل، وأن الإمبراطور قد سقط، وكأن جماعة العفاريت الخدومة من حوله لم تكن ترى أنه في احتضار، حتى أكلت “الأردة” العربية منسأته، فسقط أو هو يسقط منذ عقدين من الزمن على الأقل,
“ما خفي عنا من تراجع الهيمنة الأمريكية، جاء الربيع العربي ليفضحه بالكامل، في ما نراه من انكسار هيبتها، وخيبة حلفائها في ساحة الحرب ثم في هذا الارتداد المروع لمشهد الربيع العربي بعد أن احتفي به كحالة انتصار للنموذج للغربي”
لست متأكدا إن كان ملوك وأمراء الخليج قد استشرفوا هذا التراجع الأمريكي، وبداية انكفاء الإمبراطورية من المنطقة، لكن شواهد كثيرة من سيرة حكام المنطقة، تشهد أنهم في الطريق إلى استكشاف ما يتداول في معظم دور الدراسات العالمية منذ حين، من أن الزمن الأمريكي هو في الحد الأدنى في أفول، وأن عالما متعدد الأقطاب ينشأ الآن في ساحات الصراع بالعالمين العربي والإسلامي، وأن التاريخ سوف يذكر للمسلمين عموما، وللعرب خصوصا، أنهم كانوا “الأردة” التي نخرت منسأة الإمبراطور، فيما كان العالم من حولهم يتفرج، إن لم يكن شريكا في صناعة المآسي.
.
ما تخفيه المحن من منح
ما يحز في النفس ويدميها، أن العالم العربي والإسلامي، الذي ساهم بالقسط الأوفر في إضعاف وحش “الليفياتون” كما يسميه الفيلسوف هوبس، و”العقب الحديدي” على حد تعبير الأديب الأمريكي جاك لندن، هو أن العالم الجديد، الذي بدأ يتشكل من حولنا، مازال يتجاهلنا كما تجاهل حقوقنا في كل مرة ظهرت فيها الحاجة إلى إعادة ترتيب البيت العالمي، إن لم يكن قد بدأ يعيد توزيع الأوراق وعينه شاخصة إلى قلب العالم، وما في باطن الأرض العربية من ثروات نفطية، لم يكن لهذه الحضارة المادية الغربية أن تكون لو توقف ضخها، أو كان للعرب قيادات بحجم ومستوى قدرة الشعوب العربية على المقاومة والتضحية.
ومع كل ذلك لست متشائما ولا قانطا أو شريكا في ما يدفع بعضنا إلى الإحباط في الوهلة الأولى، فالعالم العربي يشهد في خضم هذه الأحداث المأساوية ما يشبه عملية “التطهر” من الصدأ الظاهر، والدمل الخبيثة المستبطنة، وهذا حال الحروب والمحن: تمحص، وتغربل، وتميز الخبيث من الطيب، حتى أني لا آسف كثيرا على ما رأيناه في العقدين الماضيين من سقوط نخب – تدعي الإسلام – في ما يشبه العمالة الرخيصة للعدو في العراق وأفغانستان وليبيا، ولا آسف كثيرا على سقطات ذلك النموذج من التيار المدعي للقومية، فيما كان من ألد أعدائها، ولا أنا بآسف على افتضاح بعض النخب الحديثة من دعاة الليبرالية الغربية، بعد أن اكتشفوا خذلان أسيادهم من الغرب، ولن ألتمس الأعذار لذلك الرهط من الدعاة، ومن يصف نفسه – ادعاء – عالما من علماء الإسلام، وقد سخر علمه وفقهه، يستبق بهما ركبان حلف النيتو إلى سوق السحت.
.
”من استخف وصل”
رحم الله الخليفة عمر، فقد كان يقول: “استخفوا تصلوا” ونحن الآن نستخف من هذه الأحمال التي كانت إصرا يرهق كهولنا، وغشاوة تحجب عنا الرؤية، وساسة بلا فقه سياسة، يسيرون بنا في الدروب الخاطئة المهلكة.
وبقدر ما كنت أخاطب في هذا المقام العقل، حتى لا ينساق خلف الخدع البصرية، التي نشأت مع ما سمي بالربيع العربي، فإني استشرف في ما يجري الآن في مصر وتونس، مما قد يصفه بعضهم بالثورة المضادة، ليس بداية لثورة أخرى يصر بعض السحرة على صناعة خدع بصرية جديدة لها، بل أرى فيها بداية لزوال قشرة سميكة من الغشاوة، آمل أن تنتهي بالشعوب العربية إلى تبني ثقافة التشكيك المنهجي في كل ما يصدر عن النخب، كل النخب التي تورطت في خداع الشعوب العربية بخطاب كاذب عن قومية عربية، يتآمر فيها قطر على قطر، وشعب على شعب، أو ذلك الخطاب الإسلامي المتحجر، المتاجر بالدين، وهو يسوق كذبا لخلافة إسلامية وهمية، لا تستحي من معاشرة الرهط من كبار المرابين، ولا تمانع في موالاة اليهود والنصارى “بعضهم أولياء بعض” أو الانخداع مجددا بذلك الخطاب الرخو الواهن عند النخب الليبرالية والعلمانية، التي تريد للأمة أن تستسلم عند أول إشارة من الأخ الكبير.
.
دروس التاريخ للتحرر من اليأس
قد يقول بعضهم ماذا تركت من النخب والمرجعيات لقيادة العرب في مرحلة ما بعد زمن أمريكا، وهذا قماشنا، فمن أي قماش تريد أن ترتق رداء الوجاهة للعرب غدا؟
مرة أخرى استعين بالتاريخ لتجديد الثقة في قدرة الشعوب على الانبعاث مجددا، بنخب جديدة تولد من رحم اليأس، أو قل من رحم العسر الذي يليه اليسر كما وعد الرحمن.
فقد قيض الله نخبا تولت صد حملات التتار، بعد أن كان قد وهن عضد الخلافة العباسية وهي في أرذل العمر، وتولى المماليك – الخارجين للتو من حالة الاسترقاق – صد الحملات الأولى للصليبيين، قبل أن تصطنع الأمة لنفسها صلاح الدين، ولم يكن الأمير عبد القادر أكثر من فتى مجهولا، من قبيلة مغمورة، قبل أن يصطنعه الشعب الجزائري قائدا مبتكرا للمقاومة الحديثة، وما كان قادة ثورة التحرير سوى رجال مغمورين من الصف الثاني أو الثالث من قادة الحركة الوطنية فوجئ بهم المحتل، بل إن انهيار النخب المهيمنة المتصدرة للواجهة زمن المراوحة أو الانحطاط، هو شرط مسبق لولادة نخب جديدة تقود الانبعاث، ليس عليها أن تعيد ابتكار عجلة المرجعية الفكرية المتأصلة في كل أمة، بل يكون منوط بها أن تجتهد، وتجدد، وتنتقد، وتغربل، ثم تتخير ما هو صالح لزمنها، ولحاجات تغيير أحوال شعوبها.
“الزمن الأمريكي في أفول، فيما ينشأ عالم متعدد الأقطاب في ساحات الصراع بالعالم العربي، وسيذكر التاريخ للعرب أنهم كانوا “الأردة” التي نخرت “منسأة” الإمبراطور، فيما كان العالم من حولهم يتفرج، إن لم يكن شريكا في صناعة مآسيهم”.
فالقومية لم تكن شرا محضا، لكن بعض القوميين كانوا بلا ريب قادة فاشلين بلا بصيرة ولا مشروع، لم يلتفتوا إلى حاجة الفكر القومي الحديث إلى صياغة مشروع قومي عربي متحرر من الروح الشوفينية، التي أرادت استئصال التنوع القومي والثقافي المشكل لفسيفساء المجتمعات المنتمية لما يسمى بالفضاء العربي، ومثلهم سقط الإسلاميون في وحل إنكار التعددية المذهبية والدينية، التي تعايشت طوال أكثر من أربعة عشر قرنا، لم يكن فيها المسلم بحاجة إلى استظهار هوية دينية تقول: هذا سني وذاك شيعي، وهذا سلفي، وآخر إخواني، وقد قسموا الإسلام والمسلمين إلى كنائس يكفر بعضها بعضا كما فعل النصارى من قبل.
.
تأجيل ترف الصفوة لقضاء حاجات العامة
“استخفوا تصلوا” قد يكون هذا شعار المرحلة القادمة لنخب جديدة نأمل أن تعي الدرس، وتبدأ أولا بمنع نفها من تصدير أزماتها وصراعاتها إلى المجتمع العربي والإسلامي، وتشتغل بدلا من ذلك على توحيده حول فكرة “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة” والقوة مرهونة ببناء دول متوازنة مستقرة، ليس بوسعها الاستغناء عن جميع مواطنيها مهما تنوعت مشاربهم الفكرية، وتعارضت طموحاتهم الشخصية، ثم تدين – فيما تدين به الدول المحترمة – لفقه الأولويات، حتى لا يهدر الجهد في إرضاء نزوات النخب وترفهم الفكري الذي يتحول- على مقربة من كرسي السلطة – إلى شطط وحوار للسفسطائيين والرواقيين، بل يصدر الجهد كله لتلبية حاجة العامة من المواطنين، التي لا تقبل التأجيل والتسويف والتراخي واصطناع مبررات للعجز.
وحيث أن ”النكتة اليمنية” التي ابتدأنا بها لم تكن نكتة، بل كانت استشرافا صدقته الوقائع على الأرض، بهذا التآكل المنتظم للهيمنة الأمريكية على المنطقة، فإن المراهنة على ميلاد نخب وطنية، قومية وإسلامية، من رحم هذه النخب المترهلة الساقطة، لن يكون نكتة يتندر بها علينا الجيل القادم، بل هي حتمية تاريخية، ينبغي لهذا الجيل، الممتحن في كل شيء، أن يثق فيها ويثق قبل ذلك في قدرته على البناء، بعد أن استوثق من قدرة أمته على المواجهة والتصدي، وتحطيم الإمبراطوريات المتكالبة عليها الواحدة تلو الأخرى.