محيط الإقامات الجامعية يشهد تعفنا غير مسبوق
تشتهر الإقامات الجامعية، في الجزائر، بسمعة خاصة، فهي الوجهة الأولى للشباب المنحرف، لاصطياد الفتيات الجميلات المثقفات.. أما الطلبة، الذين يسكنونها، سواء من الإناث أم الذكور، فيحصلون على الحد الأدنى من المتابعة الوالدية عن بعد، ومن المراقبة والضبط، ما يجعل فئة لا بأس بها منهم غير منضبطين بالأخلاق والقواعد المجتمعية، حيث من السهل تبني الآفات على اختلافها.
يعرف محيط الإقامات الجامعية عادة حركية خاصة، باعتباره قطبا حيويا للطلبة، والفكرة القائمة حوله تزداد ترسخا بمرور الوقت. هذا، ما لاحظناه في زيارة خاصة إلى الإقامة الجامعية للبنات ببن عكنون. ساعة، ليس أكثر من الزمن، لخصت لنا كيف خرج الوضع عن السيطرة، في ظل السكوت التام عن التجاوزات، التي لا تزال تحصل داخل إطار هذه المؤسسات، إذ بينما نقضي دقائق من الانتظار في ساحة الإقامة التي يبدو أنها مؤمّنة وهادئة، لاحظنا مجموعة تتألف من أربع فتيات يجلسن في ركن تحت الأشجار.. الجو كان باردا، وقد فرغن للتو من تناول وجبة إفطار، وإذا بإحداهن تسحب علبة سجائر من حقيبتها، تلتفت حولها، ربما لتتأكد من غياب حركة أعوان الأمن، ثم تمررها على البقية، لتلتقط كل واحدة منهن عودا ثم تمر من جديد لتشعل السجائر في أفواههن الممكيجة بالأحمر والأرجواني الفاقع، وتنتهي بسيجارتها في حركة عفوية جدا ومريحة، وكأنها لا تأبه بأي تفاصيل أخرى، منها ارتداء المجموعة للحجاب، أو مرور طالبات بالجوار. حول هذا الموضوع، يتحدث الخبير الاجتماعي، لزهر زين الدين، وهو أستاذ جامعي: “التدخين، وتعاطي المخدرات، والكحول ليس أبدا بظاهرة جديدة في الإقامات الجامعية، وإنما تزايد وتفشي الآفة بشكل رهيب في أوساط الفتيات، كما الشباب، هو أكثر أمر مقلق للجميع، سواء أولياء أم أسرة جامعية، كما أن الظاهرة كانت خفية، فالطلبة كانوا يتحاشون الأنظار ويخافون من القوانين الصارمة. لذلك، يلجؤون إلى دورات المياه، أو الغرف، بينما يفعلون ذلك اليوم، بكل ثقة وأمام الأعين، حتى إن فتيات أصبحن يدخن السيجارة في محطة نقل الطلبة، حيث يمكن لعامة الشعب مشاهدتهن”.
هكذا يعيش الطلبة الانفتاح والتحرر
لا يبدو أن أزمة النقل التي تحدث عنها الطلبة لسنين طويلة لا تزال قائمة، فهناك اليوم آلاف الطوابير التي تصطف على طول مداخل الجامعات والإقامات الجامعية، المروع أنها لأشخاص غرباء، لكن الغرض من اصطفافهم هناك تعرفه جيدا فئة من الطالبات، فما إن يغادرن الدرس أو يخرجن من الإقامة، تقف الواحدة منهن في كامل تأنقها بمكياج وعطور وملابس ملفتة، لتنتظر من يقلها إلى وجهتها، وربما تتخذ منه صديقا أو خليلا، بتلك الطريقة التي تنتهجها بائعات الهوى.. لم يعد الأمر غريبا جدا ولا محيرا، والعام والخاص أصبح يعرف وظيفة تلك السيارات، وهذا يقودنا إلى الحديث عن مظاهر أخرى، بات يضج بها محيط الإقامات الجامعية، كاللقاءات الرومنسية وأعياد الميلاد والحفلات الصاخبة، التي تقام في قاعات الشاي والمطاعم القريبة منها، حتى ساعات متأخرة من الليل، كما هي الحال بسعيد حمدين مثلا، حيث يرقص الطلبة والطالبات على أنغام الراي، ويتناولون الطعام ويتبادلون السجائر والمشروبات. المشهد أصبح مألوفا تحت مسمى الانفتاح والتحرر.
أين الأولياء؟
يشير الخبير الاجتماعي، لزهر زين الدين، إلى أن “غالبية الإقامات الجامعية في الجزائر، في المدن الكبرى، أو حتى في الولايات الداخلية، حيث تتموقع الجامعات في أماكن نائية، باتت تحتاج فعلا إلى هبّة توعوية، نظرا إلى حجم الفساد. فالطلبة أصبحوا يصلون الجامعة بحمل ثقيل من الآفات والانحرافات، التي يتعلمونها منذ الطور الابتدائي”. هذا، ويعتبر الأستاذ مسؤولية الأولياء جزءا مهما، يجب أن يضاف إلى مسؤولية القائمين على الإقامات الجامعية: “بعضهم- سامحهم الله- يلتقون بأبنائهم في العطلة فقط، لا يهمهم كيف يعيشون حياتهم الدراسية والخاصة في الإقامات.. لا يعلمون عن عمل أبنائهم وبناتهم في أماكن محظورة، لتوفير متطلبات الحياة العصرية، ولا عن الضغوطات، والمعاناة بعد الأخطاء التي يرتكبونها، التي قادت الكثير من الطلبة، وخاصة الطالبات، إلى الانتحار داخل أسوار الإقامات ذاتها. تجب المراقبة، ويجب نشر الوعي ومعاقبة الغرباء الذين يتعرضون للطالبات، لتطهير المؤسسة الجامعية ولواحقها، وتغليب فئة المتعلمين المتخلقين على فئة المتعلمين المنحرفين، الذين يتخذون من الإقامات أوكارا لهم”