مخاض الدور الروسي العسير
تحاول روسيا منذ سقوط الاتحاد السوفيتي ان تتبوأ موقعا دوليا قطبيا، وتمتع بوتين بروح رياضية ضرورية لتجاوز النكبة التي حلت بالإمبراطورية الاستراكية .. اقترب من الغرب ولكن بمناورة واضحة لم يكن منهارا ولا مستجديا ولكن مساوما ومتحينا للفرص.. كان لابد من اعادة الثقة في الادارة والمؤسسة الامنية وتقويض اركان المافيا التي راج نشاها في سنوات الاتحاد السوفيتي الاخيرة وفي عهد يلتسين.. هاجم بوتين المؤسسات الاعلامية والمافيا السياسية والمالية واستطاع ان يعيد الثقة للجيش الاحمر بقدراته وتطوره التكنلوجي.. ولكنه على الصعيد الخارجي لم يستطع ان يحدد معالم سياسته الخارجية، وفي هذه المرحلة حاولت الادارة الامريكية ترسيم حدود لسياساتها الخارجية وتوزعت قيادات جيشها على قارات الارض فحينا تسمع قائد القوات الامريكية بإفريقيا ومرة قائدها في الخليج والعراق والمانيا وهكذا.. وفي ظل السبات الروسي احتلت جيوش الولايات المتحدة افغانستان والعراق وأسهمت في تكسير ليبيا والسودان واليمن فيما نكاد لم نسمع اعتراضا ذا بال من قبل الاتحاد الروسي.
ولكن النهوض الروسي من تحت الدمار السياسي والمعنوي بدا مع حسم الروس موضوع جورجيا خلال ساعات وانهاء التمرد السياسي الذي حاوله رئيس جورجيا عن روسيا فارا في اتجاه الولايات المتحدة.. ارجعت روسيا اوكرانيا الى دائرة التحالف الاستراتيجي معها وبدأ المنطق الروسي يتبلور انه من غير المسموح ان يلعب الغربيون في الجوار الروسي.. وتواصل التململ الروسي عندما اخذ الغربيون بقيادة الولايات المتحدة اقامة الدرع الصاروخي واخذ يلوح في الافق ما يشبه الحرب الباردة.. واستمر حصار الغربيين للدور الروسي على الصعيد الدولي على اكثر من اتجاه وفي اكثر من مكان وحلت الادارة الامريكية محل الاتحاد السوفيتي في مساحات النفوذ الاقليمي والدولي.. ولكن لم تعد الامور كما كانت.. كان الروس بهدوء ينسقون علاقاتهم مع ايران متجهين بهذه العلاقات الى التحالف الاستراتيجي وتأكد الروس من ان الايرانيين حلفاء صادقون معهم في مواجهة السياسة الامريكية في المنطقة، ذلك لأن لكل من البلدين ايران وروسيا مصالح استراتيجية في التحالف وانه ليس من الوارد التخلي عن هذا التحالف، اذ ان التناقض استراتيجي بين كل منهما والسياسة الامريكية في المنطقة..
وكاختبار لمدى صمود هذا التحالف ونفاذيته وقوة تاثيره كان الموضوع السوري خير فاحص.. فالسوريون حلفاء لإيران بيقين ان كل منهما يعتبر حاجة ضرورية للآخر في مناوراته وفي سياساته.. ولكن روسيا لم تعد تؤمن بالعلاقات الاستراتيجية مع الحكومات العربية.. فالروس يدركون ان الباب لم يغلق البتة بين السوريين والامريكان وان السوريين لو وجدوا صيغة تسوية سيتزحلقون نحوها وهم سبق ان فاوضوا اسرائيل وتوصلوا معها الى ما يقترب من اتفاق على نقاط عدديدة.. فمن حيث المبدا لاترفض سوريا التفاوض مع اسرائيل وهي تقيم علاقات وطيدة مع ادوات امريكا واعضاء في الحلف الاطلسي في المنطقة مع حاكم قطر وتركيا اذا كانت العلاقة متميزة وتعتبر من احد انجازات النظام قبل الانهيار!! لم تكن روسيا متحمسة كثيرا للوقوف خلف النظام السوري واسناده كيلا يسقط.. والمتابع لمواقفها المترددة في الاشهر الاولى كان يكتشف عدم الحماس الروسي.. الا ان رفع ايران لسقف التبادل التجاري مع روسيا والتعاون الاستراتيجي الايراني الروسي سحب روسيا الى خندق الدفاع عن النظام السوري وعن طبيعة سياسية معينة في المنطقة.
واستطاعت روسيا منع مجلس الامن من اصدار اي قرار يلحق الاذى بالنظام السوري.. ووجد النظام السوري ان له صديق حليف استراتيجي في المنظمات الدولية وان هذا الحليف يتواصل مع كثير من الجهات لتدعيمه.. وكان هذا يكفي لأن الغطاء الدولي الذي منح للامريكان في العراق وليبيا سهل سير عمليات الاحتلال للبلدين العربيين.
وجاء الوقوف الروسي العنيد ضد محاولة الادارة الامريكية توجيه ضربة جوية عنيفة تثبيتا قويا للدور الروسي على مستوى العالم .. استجابت الولايات المتحدة فقبلت بتسوية للملف بعيدا عن لغة الحرب وكان موضوع الملف النووي الايراني هو الانجاز الثاني للسياسة الروسية..
وهكذا اصبحت القيادة الروسية على اقتراب من ميلاد الدور الروسي المحسوب والموزون.. وبدأ الدور الروسي يتبلور نحو التحالف مع الدول المهددة بالعصف الغربي أو ما اطلق عليه الربيع العربي.. وغدت موسكو محط انظار الجميع يخطب ودها الخصوم..
لم يرق للادارات الغربية اقتراب ميلاد الدور الروسي الفاعل.. فكان لابد من جره الى الخلف واشغاله بالجوار وتطويقه بدولة كبيرة قوية لارباكه انها اوكارنيا.. وبالفعل اشغلوا البلد بربيع اوكراني نفخ الاعلام الاوربي والامريكي فيه حتى انتج انهيار النظام الشرعي بفرار الرئيس وبانسحاب اعضاء البرلمان الشرعي واستيلاء المحتجين على مقاليد الامور في كييف.. ان الذي حصل يعني بوضوح انقلابا كامل الاركان على حكومة وبرلمان يجدان في الدولة الروسية حليفا طبيعا.
اراد الغربيون مقايضة سوريا باوكرانيا.. فاما ان يترك الروس سوريا لتفتيته لمصلحة تفوق اسرائيل الاستراتيجي وان يخرج الروس من المربع العربي أوان يتركوا اوكرانيا ليزرع نظام بولاء غربي لاحكام الخناق على روسيا .؟؟. وعلى الروس ان يختاروا..!
اصر الروس على الاحتفاظ بموقفهم في الملف السوري، كما انهم تقدموا بقوة السلاح لتفصيل الموضوع الاوكراني لصالحهم.. وتحت ازيز التهديدات الغربية لروسيا تقدم الروس في الشان الاوكراني وقلبوا المعادلة ولا زالت الامور تسير بما ينسجم مع الرغبة الروسية والميلاد الطبيعي للدور الروسي الذي يرفض ان ينحسر في الاقليم.
ومن هنا يصبح على صانع القرار العربي وواضعي الاستراتيجيات في بلداننا العربية الاخذ بعين الاهمية التطورات الدولية الحاصلة ومحاولة تحسس مراحلها والتقدم من اجل الحقوق بما يمكن انجازه في ظل متغيرات ستكون حتما لصالحنا ان نحن احسنا ترتيب اولوياتنا وادارة امورنا وافكارنا واشيائنا.. تولانا الله برحمته.