الرأي

مخططٌ خبيث اسمه “غزة الجديدة”!

حسين لقرع
  • 769
  • 0

بعد فشلِ مخطط ترامب لتهجير فلسطينيي غزة وبناء “ريفييرا الشرق الأوسط” فيها، تحضِّر إدارتُه المتصهينة هذه الأيام مخططا آخر لا يقلّ عنه خطورة وخبثا ويتمثل في تقسيم غزة إلى نصفين، أحدهما يسيطر عليه الاحتلال ولا تقلّ مساحتُه عن 53 بالمائة والثاني يمثّل مساحة 47 بالمائة الباقية وتهيمن عليه حماس.

يكرِّس هذا المخطط التقسيمي سيطرة الاحتلال على أكثر من نصف مساحة القطاع بدل الضغط لدفعه إلى الانسحاب منه تدريجيًّا في المراحل اللاحقة من خطة ترامب التي اتفق عليها طرفا النزاع وأدّت إلى وقف الحرب يوم 9 أكتوبر الجاري، ويعني هذا أنّ إدارة ترامب تنكص على عقبيها وتتملّص من مراحل الخطة التي وضعتها بنفسها، ولا تنفِّذ منها إلا ما يخدم حليفها الصهيوني.

لكنّ الأخطر ممَّا سبق، كشفته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية التي أكّدت أنّ إدارة ترامب ستعمل على توجيه أموال المانحين الخليجيين والدوليين إلى إعادة إعمار نصف القطاع الذي يقع تحت السيطرة العسكرية الصهيونية فقط؛ إذ سيعاد هناك إزالة الأنقاض وبناءُ المساكن والمدارس والمستشفيات وإصلاح شبكات الماء والصرف الصحي والكهرباء والطرقات وباقي الخدمات الأساسية للسُّكان… في حين سيُحرَم تماما النصفُ الآخر الذي بقي تحت هيمنة حماس من هذه العملية وسيبقى قاعا صفصفا لا حياة فيه، ومكانا تغطّيه ملايينُ الأطنان من الركام الذي يخفي آلاف القذائف التي قد تنفجر في أيِّ لحظة على أيِّ فلسطيني يفضّل البقاء هناك ولا يلتحق بالمنطقة التي يسيطر عليها جيشُ الاحتلال للاستفادة من كلّ الخدمات والتسهيلات هناك!

وتسمّي إدارة ترامب المنطقة التي ستحظى بإعادة الإعمار: “غزة الجديدة”، وفق “وول ستريت جورنال”، وهو ما أكّده اليهودي غاريد كوشنر، زوجُ ابنة ترامب، حينما قال خلال زيارته الكيان الصهيوني قبل أيام: “هناك ترتيباتٌ جارية حاليًّا في المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي قصد تأمينها لبدء بناء غزَّةٍ جديدة ومنحِ الفلسطينيين المقيمين في غزة مكانا يذهبون إليه، ومكانا للعمل وللعيش.. ولن تُخصَّص أيُّ أموال لإعادة الإعمار في المناطق التي تسيطر عليها حماس”!

ومعنى هذا الكلام باختصار أنّ إدارة ترامب تريد معاقبة 2.3 مليون فلسطيني على إفشالهم خطَّةَ تهجيرهم إلى مصر والأردن، من خلال دفعهم إلى العيش تحت سيطرة الاحتلال الصهيوني مباشرة، تحت ضغط الحاجة إلى الخدمات الأساسية للحياة، مع ما يعنيه ذلك من قيود وإذلال وتنكيل يومي يفوق ما يحدث لفلسطينيي الضفة الغربية، أمّا إذا أرادوا البقاء في الجانب الذي تسيطر عليه حماس فسيعيشون حياة بدائية شاقّة في منطقةٍ لا حياة فيها، ولن يستفيدوا من أيِّ خدمات عدا مساعدات غذائية شحيحة تُبقيهم بالكاد على قيد الحياة.

ولا يُخفى عن أيّ لبيب هنا أنّ أحد أهداف هذا المخطط التقسيمي الجهنّمي هو إجبارُ الحاضنة الشعبية على الانفضاض عن المقاومة وتركها وحدها في الميدان ليسهُل بعدها على الاحتلال القضاء عليها في معركة “نزع السلاح”، فصمودُ هذه الحاضنة الشعبية في غزة ورفضها التهجير والتفافها حول المقاومة طيلة سنتين من حرب الإبادة أفشل مخطط التهجير ومكّن المقاومة من الصمود في الميدان، والآن يراد تجريدُها من هذه الورقة المهمة، وقد أكّد كوشنر ذلك بقوله إن “هدف هذا المخطط هو إجبارُ حماس على تسليم سلاحها”.

خلال الثورة التحريرية الجزائرية، اعتقد دوغول أنّ بناء مساكن عصرية للجزائريين ومدارس ومشافي ومناطق صناعية ومنحهم مناصب شغل… سيجعلهم ينفضُّون عن الثوَّار، ما يسهِّل عزلهم والقضاء عليهم، فأقام “مشروع قسنطينة” بدءا من سنة 1958 واستفاد الجزائريون من آلاف المساكن ومناصب العمل وخدمات أخرى وتحسّن وضعُهم المعيشي، لكنّهم لم يتخلّوا عن الثورة وبقوا يدعمونها حتى انتصرت وطردت الاستعمار الفرنسي في 5 جويلية 1962، وبقيت هذه المساكن والمدارس والمناطق الصناعية –فضلا عمّا بنته فرنسا لمليون معمِّر فرنسي وأوربي- غنيمةً للجزائريين إلى اليوم. لذلك ننصح المقاومة أن لا تحزن ولا تبتئس وهي ترى ما تتعرّض له والمدنيون الفلسطينيون من مؤامرات ومكائد تزول منها الجبال باسم “غزّة الجديدة” وغيرها من الأسماء البرّاقة؛ ففي الأخير سيرتدّ كيدُ الأمريكيين والصهاينة في نحورهم وفي نحور الأعراب المتصهينين الذين يدعمونهم. ألَا إنَّ نصر الله قريب.

مقالات ذات صلة