مخطط عمل الحكومة: أهداف كبرى وتحديات أكبر
يستأنف المجلس الشعبي الوطني، اليوم، مناقشة مخطط عمل الحكومة والاقتصاد الوطني يواجه معطيات محلية وإقليمية ودولية جديدة. فعلى الصعيد الداخلي، انضمت الجزائر إلى منطقة التجارة العربية الحرة ما يعني التزامات أخرى على مسار تحرير السوق ستليها التزامات الانضمام للمنظمة العالمية للتجارة خلال فترة عمل المخطط الحكومي.
-
وعلى الصعيد الإقليمي، هناك مشروع استراتيجي يخص منطقة حيوية بالنسبة لبلادنا هو “الإتحاد من أجل المتوسط” والذي لن يغيب عن أجندة زيارة مرتقبة لرئيس الجمهورية الى باريس لم يحدد تاريخها بعد. أما على المسار الدولي، فقد أكد “المنتدى الإقتصادي” ـ المنعقد بداية هذا الأسبوع في البحر الميت بالأردن ـ أن أزمة الركود في الأسواق المتقدمة ستأخذ وقتا أطول ما يعني استمرار حالة انخفاض الطلب على الطاقة التقليدية لسنوات وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو دول الجنوب. فهل أخذت القطاعات الوزارية المعنية بإعداد مخطط عمل الحكومة هذه المعطيات في حسبانها؟ وماذا عن شروط تنفيذ مخطط بحجم 150 مليار دولار وبأهداف تفوق ما تم إنجازه خلال العشر سنوات الأخيرة؟.
-
-
أهداف كبرى
-
-
ينص مخطط عمل الحكومة على إطلاق 200 ألف مؤسسة صغيرة ومتوسطة خلال الخمس سنوات القادمة ما يعني 60 بالمائة من النسيج الحالي من هذا النوع من المؤسسات والذي يلخص لنا حصيلة الدولة بعد أكثر من 20 سنة من بدْءِ تنفيذ السياسة الوطنية في هذا المجال. ورقم كهذا لو تحقق لكان إنجازا قياسيا من منظور إنشاء المقاولات لكنه لا يعني بالضرورة نجاح مسعى دعم القطاع الخاص المنتج وما يعنيه ذلك من تشغيل دائم. فالمؤسسة لا تنمو خارج محيطها التنافسي الملائم ولا يمكنها الاستمرار دون سياسة متينة للتأهيل والتمويل والتسويق، ودون رؤية محددة لدعم المنتوج الوطني، وهي المفردات المعروفة في ميادين النشاط.
-
وفي منظور التجربة الجزائرية، وعلى الرغم من الإرادة السياسية التي مازالت السلطات تعبر عنها لصالح المؤسسة المنتجة، إلا أن قيودا فنية كثيرة لازالت تشكل تحديا أمام تلك الإرادة وربما حان الوقت لأن تلتفت الحكومة بشكل أقوى إلى شروط نجاح المؤسسة، فضلا عن تدابير إنشائها. وهكذا تعاني السوق الداخلية من حالة شبه إغراق مدعومة بمزايا الاستيراد واتفاقيات الشراكة وهشاشة نظام العبور وإدارة الموانئ ويحسن في هذه الحالة إطلاق نظام جمركي تفضيلي لصالح المؤسسة المنتجة مقابل المؤسسة المستوردة، خاصة مع دخول الجزائر نظام التبادل التجاري العربي الحر، حيث لازال التحكم في معايير “المنشأ” ضعيفا بسبب الطابع التجاري للاقتصاديات العربية.
-
-
نحو صندوق وطني للاستثمار الصغير
-
-
جميع الأهداف الاستراتيجية ذات المحتوى الاقتصادي والاجتماعي المعلنة في مخطط عمل الحكومة مرهونة بضبط السوق الوطنية، تأهيل النسيج الوطني في قطاعي الصناعة والزراعة ودعم المؤسسة المنتجة القادرة على استثمار المبلغ المرصود للتنمية. وهكذا وعلى الرغم من أهمية الإنفاق الاستثماري للدولة وإطلاق صندوق وطني للاستثمار، إلا أن ضمانات نجاح مسعى التشغيل وتنفيذ برنامج الإسكان وإحلال الواردات وضبط هيكل التجارة الخارجية للبلاد وإحداث تنمية متوازنة عبر جغرافيا الدولة، تكمن في سياسة جديدة لصالح المؤسسة الخاصة: رؤية جديدة للتحفيزات الضريبية وشبه الضريبية، رؤية جديدة للتفكيك الجمركي، رؤية جديدة لتحرير السوق الوطنية وضمان المنافسة التامة، رؤية جديدة لآليات تمويل التجارة الخارجية، رؤية جديدة لحيازة العقار الموجه للنشاط، رؤية جديدة لتمويل الاستثمار الصغير وربما يكون من النجاعة التفكير في صندوق وطني لتمويل المؤسسة الصغيرة والمتوسطة يحمل عن صاحب المشروع ضغطا متزايدا اسمه »الضغط المصرفي«.
-
-
آفاق الاستثمار الأجنبي المباشر
-
-
تعطلت مؤخرا مشاريع كثيرة مع الشريكين الإسباني والفرنسي لأسباب فسّر بعضها بتداعيات الأزمة الاقتصادية الدولية على حركة القروض وحجم السيولة، وفسر بعضها بمسار مشروع »الاتحاد من أجل المتوسط« الذي يبدو أنه يتحول تدريجيا إلى ورقة مناورة من أجل إعادة صياغة السوق المطلة على المتوسط لصالح المركز الرأسمالي التاريخي في المنطقة. كما أن دخول فرنسا أول شريك تجاري للجزائر، رسميا حالة الركود الاقتصادي بدءاً من هذه السنة يحد من قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر كرافعة مالية للاقتصاد الوطني خلال الخمس سنوات القادمة على الأقل وهو ما يقارب الفترة المتوسطة لعمر الأزمة الراهنة، ولكنه في نفس الوقت عامل يدفع إلى البحث في بدائل ناجعة ضمن رأس المال الوطني؛ بحث يتجاوز الخطاب الرسمي إلى تدابير ملموسة يستفيد منها أصحاب المبادرات ضمن سياسة وطنية لتثمين هذا النوع من الاستثمار ودعمه تنافسيا.
-
صحيح أن محتوى قانون الاستثمار ساري المفعول بالجزائر لا يفرق بين المستثمر الوطني ونظيره الأجنبي ولكن صحيح أيضا أن الميدان أثبت ثغرات قانونية مكنت الشركات الأجنبية العاملة بالجزائر من تحويل أرباح غير مستثمرة زادت عن 22 مليار دولار بين عامي 2001 و2007 حسب مذكرة أخيرة لبنك الجزائر بمتوسط يساوي 3 أضعاف قيمة إجمالي الاستثمارات الأجنبية الجديدة. وهكذا يبدو أن ميزان حركة العملة الصعبة يصب في صالح الشركات الأجنبية مدعوما بالإمكانات الهائلة للسوق الوطنية وحجم الإنفاق الاستثماري العمومي، في الوقت الذي لا أحد يفهم كيف تستورد البلاد خدمات فنية في قطاعات تمتلك فيها الجزائر مزايا نسبية وتنافسية مؤكدة.
-
بكل تأكيد، يمثل مخطط عمل الحكومة إرادة سياسية واضحة لمواصلة جهود التنمية الوطنية ما سيدفع بنواب الشعب للتصويت عليه بالأغلبية المريحة، ولكن لا أحد يستطيع أن يتكهن بإمكانية تحقيق أهداف تتجاوز ما تم إنجازه خلال 10 سنوات خلت في مخطط خماسي واحد وبنفس الأدوات التنفيذية وفي ظرف اقتصادي عالمي يتسم بانخفاض الطلب على الطاقة الأحفورية، مصدر البلاد الرئيسي من العملة الصعبة.