-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مدينة العطر والتاريخ

مدينة العطر والتاريخ

مدينتي تحتضنها من كل جانب هضاب وتلال وحقول ومزارع وقرى، تسكنها أعراش عريقة، كان لها الفضل في إنشاء المدينة الحاضرة قسنطينة. إنها تبدو حاضرة عجوزا تذوب في أعماقها الحضارات البائدة، وحاضرة شابة وهي تواكب أزمنة الإبداع والفن والجمال.

قسنطينة اسمها الحالي، وفي صفحات التاريخ اعتزت بأسماء أخرى كثيرة بكثرة من سعد بمروره عليها أو العيش فيها، ليدللها ويطلق عليها الاسم الذي يعجبه، ويربط وجوده بوجودها:   سيزار،سيفاقسوماسينيساعشاقها المقربون،ماكساسعدوها وآسرها ومخرب آثارها الجميلة، ليأتيقسطنطينبعدهم يرمم ويجدد البناء ثم يربط اسمه بها، لتصبح قسنطينة بعد أن كانت نوميدياوسيرتاوقيرطاوالحصن الإفريقيوغير ذلك من الأسماء التاريخية.

لتعيش المدينة بعد ذلك عهودا وعصورا زاهرة مرة، ومنكسرة مرة، يترك كل عهد بصماته على إنسانها وعمرانها وثقافتها فتزدهر حياتها كل مرة، بثراء متجدد من العلوم والفنون والقيم الحضارية المختلفة، ثم ترسو آخر المطاف على شاطئ العروبة والإسلام عن رغبة وقناعة وإيمان، ولا يرضى لها بعد ذلك سكانها سوى اسم مدينةسيدي راشدإكراما لأحد رموز التراث الديني والحضاري من أبنائها.

لقد كان الرجل أحد العلماء وهمزة وصل في سلسلة الصراع والتصدي ضد عملية تشويه روح ومعالم المدينة، والتي كان يمارسها الاستدمار في الجزائر طيلة قرن وثلث القرن.

وزهور هاته التي تكتب هذه اليوميات، عرفت النور في إحدى قصبات هذه المدينة، حيث الحارات القديمة مغلّفة بشغاف القلب، والدكاكين الصغيرة معتزة فخورة بمهنها اليدوية وفنونها الذائبة مع ألوان الفجر، حيث يقف أصحابها على عتباتها في خشوع وقداسة يقدمون الولاء والوفاء لماض لم يبق إلا في قلوبهم ووجدانهم، فتجارتهم كسدت وأصبحت غير مربحة، وغير مطلوبة، وقد وفدت عليهم تجارة جديدة ومفاهيم جديدة لكل شيء، جاءت من الغرب المحتل لبلادهم، لتتغلغل شيئا فشيئا في واقعهم رغما عنهم، حضارة جديدة، كل خطوة تخطوها كانت على حطام أو أشلاء صرح قديم من الفكر والثقافة، والقيم الحضارية المميزة لشعب تضرب جذوره في أعماق التاريخ، تشوهها أو تعوقها، لينطلق البديل دون معوقات في شعب ساخن غير بارد، متحرك غير جامد، مرن غير متصلب، لتسكن الحضارة المغلوبة في القلوب والوجدان بعد أن انهزمت في الواقع ثم تخمد شيئا فشيئا دون أن تنطفئ.

لكن ومع كل ذلك، قاومت الفنون أشد مقاومة، حيث صمد نقاش النحاس، والصباغ، والدباغ، والحراز، وطراز المخمليات، لتصبح الأغنيات الوطنية الممنوعة وشعارات الحرية خيوطا حريرية ناعمة تزين أحذية العرائس، وبرانيس العرسان، وسروج الخيالة والفرسان، وطرابيش الأطفال يوم الختان.

صمد بائع العتيق من الأثاث المصدّف، الشاهد على أحقاب الزمن البهيج، صمدت قعدات القهوة الشعبية ورائحة البن مع نسمات الأصيل، وهي تنطلق منجزوةنحاسية زينت أطرافها بحروف البسملة والحمدلة.

صمد الوتر المرتعش باللحن الشعبي الأكثر عراقة، وظل محتوى كلماته ينشد الحرية واسترجاع السيادة، وعامت منابر المساجد والحمامات في المنمنمات الزاهية.

لقد كان صمودا لأشياء جميلة، وأفكارا أكثر جمالا ونبلا وقيما تميز شخصية عن أخرى، قيما تدافع عن الحق في الحياة لشعب كان يهدد كل يوم ببديل جديد، بديل يستعمل كل الوسائل، حتى وسيلة النار والدمار والإبادة.

في هذه المدينة عرفت نور الحياة، وأحسست مع جمالها بالروعة والتميز، وفي هذا الجو كنت أنمو وأكبر وأعيش، أبحث عن ذاتي في أصول هذه الفنون، في الطقوس الشعبية، في حكايات وأساطير ألف ليلة ليلة وأبي زيد الهلالي والزناتي خليفة ولونجة والغول والقمر العالي والحنش بوسبع رؤوسليصبح السؤال الحائر عندي في تلك الأجواء يكتسي صبغة المتعة وحرقة المعاناة.

في هذه المدينة ذات الجسور الرابطة لأطرافها، وأنت تجول فيها ترى الحياة السوية قد علقت مثل جسورها، البنات دون العاشرة يصبحن مشروع نساء، لا يحق لهن الخروج من البيت ولا التعلم ولا المرح واللهو الطفولي، في هذه السن العاشرة يجب أن يشرعن في التفكير في إتقان مهام النساء، الطبخ والنسيج والتزيين وغيرها، والحلم يجب أن يكبر بالرجل، ومع الرجل وحده، وأي حلم غيره لا يجوز، إنه يعتبر من الأحلام المدنسة، حتى يصبح الرجل الحلم غاية الغايات مهما كانت مواصفاته، إنه الفارس المنقذ وفيه وحده تتمثل كل أهداف الحاضر والمستقبل.

النساء في مدينتي محجّبات بملاءات سوداء من الرأس إلى أخمص القدمين، وعقاب من تخرج دون جوارب سوداء تحت الملاءة السوداء، داخل الحذاء الأسودالشبرلةعقابها أن تركب على حمار، يتجه وجهها إلى ذيله، يدور بالمرأة المتمردة الشاذة عن القاعدة، عدّة دورات في سوق المدينة، والأطفال يعايّرونها قائلين بفرح وتسليةيا لملحفة بالحفاءحتى تكون عبرة لغيرها ممن يفكرن في مثل هذا النوع من التمرد على العادات.

 

قيل إنها عادات تركية لا أصل ولا موضع لها في الإسلام، أما الملاءات فقيل إنها سوداء حزنا على أحد البايات الصالحين، وقيل أيضا أنها سوداء انتصارا للمذهب الفاطمي، إن المدينة وضواحيها هي مصدر المذهب، ألم تتأسس دعوة الفاطميين على يد صاحبها أبي عبيد فيميلةأهم ضواحي المدينة، وكلا الأمرين كانا وكأنهما موقف للمرأة، ربما هو موقف فعلا، لكنه موقف مفروض عليها، موقف لم تختره لا كلون ولا كمضمون، بل أرغمت على تبنيه والعمل به مثل المواقف الاجتماعية الأخرى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • بدون اسم

    تلك العادة العقابية هي عادة مشرقية كانت تقام في الشام وتركيا، التجريس هو التشهير بالعيوب،نلبس المرأة الشبرلة ونشهر بها بالطواف على ظهر حمار وهي راكبة بالعكس(التجريس)،لماذا الشمرلة؟وهو شيء رمزي حيث يقول المثل "اللي زوات في ساقها الشبرلة قعدانها في الدار على باب الله".سيدتي لم تذكري يوليوس أربيكوس الذي أزداد في الخنق من قبيلة بربرية كانت تسكن بين عين كرمة وبني حميدان وهم على الأرجح من أجداد بيطاط وأين واد الرمال وطريق فرار الباي أين أخبأ صندوق كنز المدينة بين الضبابية بالحامة وجبل بوحديد بعين كرمة

  • المستقبل

    هذه التحفة المسمات قسنطينة تحولت الى ما يشبه الزريبة ،في غير مكان في العالم ،يضعون مكان كهذا فوق رؤوسهم ويفتخرون وعندما حدثت البعض عن جمال قسنطينة ضحك مستهزئا ،وأضفت مستفزا أجمل منها القرارم وصفني بتخلف،هكذا يعيش شعبنا وحكامه أقل منصفه هو الجهل،شوف دمشق وبيروت والقاهرة هل هي أجمل من بلادنا .لا.لكن نوعا ما أناسهم أكثر تفهما ،ومرتبطين بالمكان أكثر ،وليس مبهورين بباريس على حساب جمال أراضيهم يعني وطنين أكثر منا شوي .وأنا مصر أنّ القادمين الى قسنطينة سوف يضحك علبنا ،لما يشاهدونه من اهمال،ولومك يازهور