مرتَزقة صناعة الوعي
الوعي وحسن إدراك الوضع الاجتماعي العام سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا من أهمّ عوامل التّغيير والإصلاح الاجتماعي، كما أنّه ركنٌ ركين عند من يَنذرون أنفسهم لخدمة بلدانهم وشعوبهم.
صناعة الوعي مَهمّة جليلة لا يقوم بها إلّا أشخاص بمواصفات خاصة يأتي على رأسها العِلم الغزير الصحيح، والأخلاق الحميدة كنُكران الذّات، وحسن الظّن بالآخر، ومَحبّة الآخرين، والصبر على الأذى ومعرفة كُنهِ الأشياء وطبيعتها، ومآلات الظواهر الاجتماعية وأسباب وجودها وحسن معالجة آثارها وكُنه مصادرها.
إنّ توافر هذه العناصر وغيرها في أيّ شخص لا يُؤهِّله لأن يكون صانع وعي ومُصلحا اجتماعيا ما لم يُسخِّر جهده وما له ووقته ومصالحه كلّها في خدمة الإصلاح ضمن مسار نضالي مقاوم للفساد والإفساد. وهذه مهمّة صعبة تتطلب، بحكم الطبيعة والتعريف، جهدا جماعيا مُنظَّما مترابطا محكوما بحبل متين مفتول بعقيدة راسخة، ونكران للذّات، وصدق في الحديث، وتصوّر واضح للأهداف، ومرونة إنسانية فائقة في الوسائل، ومسار زمني مليء بالخبرة والعقبات والصّعاب.
وقد أثبت التّاريخ أنّ هذا المسار لا يُؤتي أُكلَه إلّا بشروط، في مقدّمتها عمل جماعي مُحكَم التنظيم، صارم الالتزام، لا يلوي على شيء غير تقديم الفضيلة وحب الخير للغير.
ولنا في مسار الرّسل وقادة الإصلاح الاجتماعي القدوة والأسوة.
وفي تاريخنا المعاصر -خاصّة في هذه المرحلة- غزت وسائل التواصل الاجتماعي كل شعوب العالم، وتيسَّر لكل الناس الاتصال المفتوح والمجاني، بل اتّخذه البعض -باسم نشر الوعي- وسيلة ارتزاق، كما استغلها آخرون للظّهور والزّعامة، والعمالة، والإفساد، ونشر الفُرقة والرّذيلة وأهداف أخرى، واختلط فيها المُحسن والمُسيء، وتساوى فيها المتسكّعون والمُفكّرون، والمُصلحون والمُفسدون، والْتبس الأمر على الناس.
وإذا كان بعض مستعملي وسائل التواصل لا يستدعي كشفُ جهله وجهالته وزيفه وانحطاط مستواه العلمي والأخلاقي جهدا كثيرا، فإنّ بعضهم الآخر يقدِّم نفسه من فئة العارفين أو أصحاب الخِبرة والتجربة، حتى إذا تمكّن من إيجاد تُبّع ومتابعين تكشَّف مع مرور الوقت زيفُه وزيغه وجهله للناس، وراح يُميط اللِّثام على طبيعة شخصيته النّرجسية التي أخفاها ردحا طويلا من الزّمن حتى أيقن الناس فيهم قول نجيب محفوظ: “لا داعي للتعليل فنحن نعرف لون قلوبكم بأفعالكم لا بكلامكم”.
سمعتُ بعضهم يتمسّح بالإسلام وقِيمه وشريعته وتعاليمه، وعندما يتقدم ليُثْبت ما يقول مستندا إلى نص شرعي ينكشف للمتابع أنّ هذا الشخص جاهلٌ بالشريعة جهلا مُطبقا، فلا يكاد يسرد آية سردا صحيحا، كما لا يستشهد بحديث نبوي استشهادا نصّيا كما يذكُرُه الرُّواة، وغالبا ما يختبئ تحت عبارة “في معنى الآية أو الحديث”.
سمعتُ بعضهم يحثُّ على الأخلاق الحميدة بقوله: “من دون أخلاق لا يمكن أن نذهب بعيدا”، لكنّني وقفتُ في محطّات كثيرة على كذب بَواحِ فيما يَنقل من أخبار، ومنها مثلا (أنّ أعضاء البرلمان الجزائري يتمتّعون بجوازات سفر دبلوماسية وأنّ الجزائر مُطبِّعة مع الكيان الصهيوني سِرّا)؟!
سمعتُ بعضهم يتمسّح بالإسلام وقِيمه وشريعته وتعاليمه، وعندما يتقدم ليُثْبت ما يقول مستندا إلى نص شرعي ينكشف للمتابع أنّ هذا الشخص جاهلٌ بالشريعة جهلا مُطبقا، فلا يكاد يسرد آية سردا صحيحا، كما لا يستشهد بحديث نبوي استشهادا نصّيا كما يذكُرُه الرُّواة، وغالبا ما يختبئ تحت عبارة “في معنى الآية أو الحديث”، وعندما يذكر المعنى يذكره بفهمه القاصر لا بفهم أصحاب الاختصاص من أهل العلم الثّقات.
هذا مثلٌ بسيط لأحدهم، وهو يقدِّم نفسه صاحبَ علم وخبرة، ولا أعتقد أنّه لا يعلم الفرق بين العلاقات الثقافية والعلاقات متعددة الأطراف في القانون الدولي، ولكن عمِيَت بصيرتُه فعمل على إعماء بصائر متابعيه. أمّا غيره من الشّواذ جنسيا أو اجتماعيا فهم أقل من أن يُخصَّص لهم حديثٌ وذِكر.
إنّ هؤلاء وأمثالهم هم أعوان الاستبداد والطّغيان. هؤلاء هم أعداء الحرية وأعداء الوعي وأعداء الوطن والشعوب.
أمثال هؤلاء هم صنّاع اليأس، ومثيرو الأحقاد والبغضاء بين أبناء الوطن الواحد، فأين إذا حُسن الخُلق من كل هذه التصرُّفات العدوانية؟ إنّ تستُّرَها بـ”الدّفاع عن الحرية والمستضعفين”، وتدثُّرَها بغطاء “صناعة الوعي” لا يُسعفهم وقد تكشّفت سوءاتهم.
إنّ بلدنا يحتاج فعلا إلى جهود الصّادقين لإعادته إلى ميراثه الحافل بتقديس الحرية واستقلال الإرادة وخدمة الشعب من دون سواه إرضاء لله ووفاء بعهد الشهداء، وحفيظا على وديعتهم في بناء بلد سيّدٍ ديمقراطي اجتماعي، في إطار المبادئ الإسلامية، وتحقيقُ هذا الهدف لا يقوم به إلّا الشّرفاء الذين لا يرتزقون بخدمة مشروع أعداء الوطن في الداخل والخارج. قال تعالى: “فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”.