مرثية لعلي..
…وها أنت ترحل عنا يا علي.. وتغيب. تغيب عنا يا علي وكل ما فيك كان عليا وعاليا.. عيل صبرك يا علي وأنت من الصابرين المحتسبين لمن هو أعلى من كل علي… صبرت لما ألم بك من جراء قسوة نظام أفلس أخلاقيا قبل إفلاسه المادي، ولم تفلس يا علي… رغم كل محاولات إفلاسك يا علي..
كنت يا علي.. قبل سنتين تمشي على الشوك يا علي.. وقدماك على الشوك، وكلك شوق متقد فيك يا علي.. شوق أن ترى البلد ورودا تعبق بالمسك وبلا أشواك يا علي… منعوك ومُنعت من الكلام وأنت صاحب الكلام والألم يا علي. كم شحذت ضدك ألسنةُ السوء سكاكينها مع سيوف عصبة كعصبة الأعين تتعصب للعمالة والخيانة وللخط المعادي للإنسان والوطن الذي يقاد من خلف البحار، يا سندباد البر والبحر وما في العالي.. يا علي.. واصلت ووصلت لأنك كنت على ثقة من نفسك وأخلاقك.. وأنت الخلق والتخلق. ثبتّ وناورت لكي تبقي المجمع جمعا مجموعا قائما. ناورت وتغلبت في النهاية، لكن ذلك لم يكن بأي ثمن. ودفعت في الأخير الثمن غاليا، وفديت العمل والأخلاق المهنية بالعمل، ورحلت قبل أن يكتمل الصرح والفرج برؤية كل رموز الفساد الذي هددك وهدد المجمع وجوّع العمال والصحافيين لأشهر، فما استكنت وما استكانوا.. وبقوا معك في الخندق يحاربون على كل الأصعدة: حصاد ألسنة السوء وحصاد المنع والتجويع والقرصنة والسرقة الموصوفة والتهديد المبطن والعملي من خلال أزلام النظام الفاشي الفاسد. كنت قبل سنوات يا علي ترفض أن تطبِّل للعهدة الرابعة، وكان ذلك أسوأ “أحسن اختيار” تأخذه، لأن ذلك سيكلفك الكثير من التعب والعناء والمنع من الإشهار والضغط النفسي والمادي. لم تحبس أنفاسك إلا لكي تقفز إلى الأمام وتتشبَّث بمواقفك وتعمل على التوازن الموضوعي لأجل العمل الإعلامي، بعيدا عن التطبيل والتزمير، في الوقت الذي تحوّلت فيه بعض النماذج غير الأخلاقية من وسائل “الإعدام” والرقاعة، إلى أبواق مفضوحة، مفتوحة على مصراعيها أمام الملإ، تبثّ الأكاذيب والمزاعم وتنفث السم والسخام.. الغاية لديها هي المِنح الإشهارية السخية التي تعطى لمن يبندر ويزغرد أكثر.
وقفت ثابتا يا علي.. ومع الخامسة، كنت أكثر فأكثر ترفض الخنوع، وكانت إنتاجاتك التلفزية والمكتوبة غير المكبوتة، تدعو علنا إلى رفض الخامسة حتى قبل أن يترشح لها صاحبُها.. ودفعت الثمن من جديد بخصم صفحات الإشهار في اليومية وفي القنوات التي بقيتْ محافظة على مهنيتها ووسطيتها واعتدالها بلا تجريح ولا انبطاح.. ولما كان عرس الزغرودة الأولى لولادة الحَراك المبارك في 22 فبراير كانت “الشروق” سباقة إلى احتضان آهات الشعب في الشوارع والأزقة والساحات.. وكنت تُختطف بالسلاح يا علي.. لأنك تجرّأت على كشف الحقيقة على المباشر ما سبقك أحدٌ إليها في الجزائر يا علي..
يا علي يا سيد الرجال، ها أنت اليوم ترحل وأنت معنا حاضر باق إلى الأبد.. يشهد لك الأعادي قبل الأحباب بأنك قلت الحقيقة وانصرفت.. ضحيت وعانيت ورحلت شهيد الحقيقة والعمل الإعلامي في يوم عيد الإعلام.. وما كان هذا التصادف مصادفة، فأنت سيد الإعلام في الجزائر ومؤسس لخاصية الإعلام المستقلّ الحر الوسطي المحترف، على الرغم من هشاشة الوضع السياسي والتفرد بالسلطة من قبل زمرة تكره الخط العربي والحرف العربي الذي كنت تدافع عنه بقوة وبمرارة منقطعة النظير.
رحلت يا علي وفي نفسك شيء من حتى.. حتى التي ستبقى تحثّ تلامذتك وأصدقاءك وعائلة آل فضيل الفاضلة التي لم نعرف عنها إلا فضلا وفضلاء.. فضلا من ربك أنه ذو الفضل والإحسان.
نم قرير العين يا علي.. فقد تركت فينا وفي الجزائر من يواصل نفس المسير بحزم وعزم وتضحية.. مواصلة لجهودك التي أنبتت عشبا نضِرا رطبا كان يابسا..
إلى جنات الخلد.. يا علي.. أيها الراحل المقيم.. يا فارسا يترجّل فجأة.. من… عل…