الجزائر
باتت مقصد المصطافين من كل الولايات

مرسى بن مهيدي.. موقع فريد وكنوز سياحية هائلة

روبورتاج: ع. رحامنية
  • 1014
  • 0
أرشيف

لا حديث يعلو فوق الحديث عن جمالية الموقع والغلاء الفاحش الذي يميّز مظاهر الحياة اليومية به، وفي خضم الارتفاعات الفاحشة لأثمان شتى أنواع المستهلكات، الأمن والأمان الذي ينعم به الجميع، الأمواج البشرية المتدفقة من كل حدب وصوب، يومية “الشروق” حطّت الرحال مطلع الأسبوع الجاري بأحد أهم المواقع السياحية بالجزائر وتحديدا بأقصى شمال غرب البلاد، إنها مدينة مرسى بن مهيدي بشواطئها الخلابة أو “بور ساي” التسمية التي ورثتها من العهد الكولونيالي، تعدّدت التسميات لكن الوجهة واحدة.
“الشروق” غاصت وسط ذلك الواقع المتميز بطقسه الحار وطقوسه الصيفية الممزوجة بشتى ألوان الطيف العابر للثقافات والعادات، كما نزلت ضيفة على المجلس الشعبي البلدي المنتخب، أين حاورت العديد من المسؤولين المحليين، كما جمعت آراء ساكنة المدينة، كما هو الحال بالنسبة لزوارها وعشّاق شواطئها بكثبان رمالها الذهبية، ومرفئها المطل على الجارة الغربية، كما جالت وسط المحلات التجارية التي تعرض مختلف منتجاتها، مطاعمها بشتى أشكالها، هياكلها السياحية وفنادقها، كما التقت سماسرة كراء البيوت والمنازل للمصطافين المتوافدين من مختلف ولايات الوطن، كما طفنا بشوارعها الرئيسية وأزقتها الضيقة، التي تعج ليلا بالأعداد الهائلة من شتى أنواع السيارات التي تحمل لواحتها جل أرقام ولايات الوطن الـ58، كما هو حال عائلات جاليتنا.

الجبال الخضراء تحف المدينة
ما يشدّ انتباه الجميع ليس فقط زرقة البحر بأمواجه المتلاطمة، بل تلك السلاسل الجبلية التي تعانق المدينة باخضرارها رغم شدة الجفاف، وكذا عليل نسائمها، ناهيك عن الوادي الذي يجانبها صانعا بذلك الفاصل الطبيعي بين الجزائر والجار الغربي، ليظهر للعيان على بعد بضعة أمتار “الشق” أو “الجرف” الفاصل بين أرض المليون ونصف مليون شهيد وشاطئ “السعيدية” المغربي، حيث ترفرف أعلام الجزائر عاليا، ترافقها الراية الفلسطينية في كل ركن وزاوية كعربون صدق، على حمل الشعب الجزائري لقضية الأمة الجوهرية، قضية فلسطين والقدس، إنها الرمزية والحقيقة التي تُفتقد تماما على الضفة الغربية من شق وادي قيس.
“الشروق” وفي المستهل، دقت أبواب مقر البلدية، حيث وجدت الأبواب مفتوحة على مصراعيها، وسط ترحاب من المجلس البلدي ممثلا بالمنتخبين نائبي الرئيس البلدية عبدالكريم كويرن وزرقيط سمير، في غياب الرئيس المنتخب الذي هو في عطلة سنوية، حيث كان الحوار شيّقا إلى أبعد الحدود، مع الإجابات الصريحة والوافية، من خلال الردود على كل أسئلتنا واستفساراتنا عن ذات الفضاء السياحي الحيوي، الذي ذاع صيته وطنيا وإقليميا، وفي ذات القبيل، فإن ما جمعناه من معطيات وحقائق مكّننا من إنجاز هذا الروبورتاج الذي نضعه بين أيدي قراء جريدة “الشروق” بكل أمانة وموضوعية .

أصل التسمية
تمتد مدينة مرسى بن مهيدي الساحلية في أقصى الجهة الشمالية الغربية من ولاية تلمسان والجزائر، إذ تتاخم برّا وبحرا الحدود الغربية مع المغرب، حيث تتداخل الطبيعة وتتشابك المسالك الطرقية ولا فاصل غير مجرى وادي قيس والجرفين المتجابهين من الضفتين .
الموقع ذاته حيوي بكل الأبعاد التضاريسية، البحرية، الصيدية، السياحية والحدودية، مما جعله يكتسي الطابع الإستراتيجي بكل المقاييس، المدينة الجميلة عرفت إبان العهد الاستعماري باسم “بور ساي” أي “ميناء ساي” الذي أنشأ سنة 1905، نسبة إلى “لويس ساي” المنتمي لإحدى العائلات الفرنسية المشتغلة بالنشاط التجاري إبان تلك الحقبة الاستعمارية، إلا أنه وبعد استرجاع السيادة الوطنية، تمت إعادة النظر في التسمية على غرار عشرات المواقع والتجمعات السكنية عبر ربوع الوطن، لتتزين وتتبرك بأحد أقطاب الثورة التحريرية الكبرى، حيث نالت شرف التسمية بلقب الشهيد “العربي بن مهيدي” منذ سنة 1963، للتخلص من مخلفات الفترة الكولونيالية البغيضة.

وجهة سياحية مفضّلة
سجلت المصالح الوصية خلال الموسم الاصطيافي المنقضي توافد أزيد من 5 ملايين مصطاف على شاطئ “مرسى بن مهيدي”، فيما تتنبأ التوقعات خلال شهر أوت، أن يتجاوز الرقم ذلك، بفعل ما يميّز الفضاء السياحي ذاته من خصوصيات تجعله ينفرد عن غيره من المواقع على طول الشريط الساحلي، حيث تم، وحسب ما رصدته “الشروق”، تسجيل خلال الأسبوعين الأخيرين توافدا قياسيا للعائلات من كل ربوع الوطن، تنجذب نهارا نحو هوايات الاستجمام والسباحة بكل الوسائل المتاحة إلى حد غروب الشمس، لتصنع ديكورات أخرى ليلا على امتداد واجهة البحر على مسافة تقارب الكيلومترين، حيث الحركية المستمرة على مدار الساعات تحت أنوار الأضواء المشتعلة، بعدما سجل ترميم نوعي لذلك الفضاء الفسيح للتجوال، حيث رصد له مبلغ يتجاوز الـ20 مليار سنتيم، خصّص جزء منه لتهيئة الشواطئ المجاورة بإقليم بلدية مرسى بن مهيدي، القبلة المفضّلة للسياح والمصطافين، فيما تظل أشغال تبليط ذات الواجهة مستمرة حتى أثناء فترة أوج موسم الاصطياف، مما أحدث نوعا من الاستياء وسط الزوار، الذين حبذوا أن تكون العملية قد أنجزت في الوقت المناسب لها خارج نطاق التأخر المثير للسخط .

عجز في هياكل الاستقبال
مصادرنا المتقاطعة أشارت إلى التأثيرات السلبية الناتجة عن نقص الهياكل السياحية بمدينة مرسى بن مهيدي وضواحيها، باستثناء بعض الإقامات على طول امتداد كورنيش البحر، وهي لا توفر إلا ما يقل عن الـ500 سرير كأقصى حدّ، الأمر ذلك زاد من غلاء أسعار الكراء على مستوى تلك الفنادق إلى ما لا يقل عن 28 ألف دينار جزائري لليوم الواحد على مستواها للغرفة الواحدة، وذلك ما بات يفسح المجال أمام محدودية القدرات الاستيعابية والترددات الحاصلة على صعيد مناطق التوسّع السياحي بذات الإقليم، لأصحاب السكنات من شتى الصيغ، إلى استغلال الظروف واغتنام الفرص للاسترزاق بطرق غير واضحة المعالم في غالب الأحيان، باعتماد الكراء لدى الساكن، حيث تنتعش عمليات الكراء تلك خارج كل القواعد، ويفرض سماسرة ذات التجارة الخدماتية منطقهم حسب العرض والطلب، حيث لا قواعد أو ضوابط -حسب مصادرنا- تحدّد الأسعار، باستثناء منطق العرض والطلب، وحسب قدرات العائلات الراغبة في الاستمتاع وقضاء العطلة في أفضل الأحوال المواتية، حيث يتوفر الأمن والأمان، حسب ما رصدناه وسط عديد من تقربنا منهم، وبالموازاة مع ذلك، يأمل الجميع أن يفسح المجال أمام تحريك دواليب عجلة التنمية السياحية بتلك المنطقة السياحية الحدودية، من خلال تجسيد مشاريع نوعية، خاصة أن مساحات التوسّع السياحي تزيد عن الـ100 هكتار.
وفي ذات السياق، فإن “البور” أو “المرسى” أي المرفأ الذي اشتهر به المكان، يظل ومنذ ما يفوق القرن والعشرين سنة من الزمن، يشكّل معلما رئيسيا، بات اليوم ميناء للصيد والنزهة، بعدما استكملت به أشغال الترميم وإعادة التأهيل قبيل سنوات قليلة، من قبل شركة أجنبية من جنسية كرواتية، فقد تم تخصيصه لنشاط الصيد، أين تمتد أرصفة توقف القوارب فضلا عن أماكن التنزه والتسلية، تقصدها قوافل الزوار والتجار وناشطو مهنة استخراج الثروة السمكية، وهو اليوم مزوّد بشتى الضروريات من مسالك معبّدة وشبكة الإنارة فضلا عن المياه الصالحة للشرب.
الغلاء يفسد متعة الاصطياف
أمام التوافد الهائل لزوار مرسى بن مهيدي، فإن الحركية التجارية تنتعش انتعاشا غير مألوف كل موسم اصطياف، من خلال بروز تجار موسميين، أين تنصب الخيم والطاولات في كل الاتجاهات، وتعرض شتى أنواع الخضروات والفواكه، الأسماك واللحوم، المشروبات بمختلف ألوانها وماركاتها، كما هو حال أكشاك المرطبات والمكسرات، والمطاعم بمختلف أشكالها، التي تعرض المأكولات السريعة والخفيفة، فضلا عن مطاعم “اللوكس” للمترفين، غير أن ما يميّز تلك الحركية الموسمية، هي الأسعار المضاعفة والملتهبة، حيث لا خيار أمام شريحة التجار الموسميين، وجلهم من الانتهازيين والطفيليين، غير الكسب السريع، أما المستهلكون، فلا مناص لهم غير الخضوع لمنطق الجشع، حيث من الصعب التحكم في اللعبة التجارية التي تفتقد لأبسط القواعد المنظمة لعمليات البيع والشراء، كما يسجل في ذات المضمار، ظهور التجار المتجولين من مختلف الأعمار، بمن فيهم الأطفال الصغار، حيث يجوبون الشواطئ على امتدادها نهارا، والكورنيش ليلا، لعرض سلعهم من أنواع “البينيي” والمكسرات، إلى جانب الشاي المنعنع.

مقالات ذات صلة