مرصدُ محاربة التطرف المذهبي.. بابٌ للفتن والاضطرابات
حينما يقدّم وزير الأديان مشروعا لتأسيس “مرصد وطني لمحاربة التطرف المذهبي”، فإنه بذلك يسلك الطريق الخطأ الذي يفتح الباب لكثير من الفتن والاضطرابات والسجالات العنيفة التي قد تعيدنا إلى جحيم التسعينيات.. فما تراه وزارة الشؤون الدينية اعتدالا، لا تراه وزارة الثقافة كذلك والعكس بالعكس، والأمر يسري على باقي القطاعات التي يريد وزير الأديان التنسيق معها للقيام بهذه المهمة.
ومادام الأمر كذلك، فهناك عدة أسئلة نطرحها على معاليه وهي: كيف سيتعامل في تنسيقه مع وزارة الداخلية كما يريد لمرصده مع من يعتقدون بأن العلمانية كفر وبأن الأحزاب العلمانية بالجزائر خارجة عن الملة الإسلامية، وبأن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون؟ وفي الاتجاه الآخر: كيف يكون موقفه من العلمانيين الذين يضعون الإسلاميين، بمن فيهم الذين ينشطون بشكل رسمي، في خانة الإرهاب، إلى درجة أن الوزير عمارة بن يونس سبق وأن صرح للإذاعة الوطنية أن الحكومة الجزائرية في صفوفها إرهابيون، ويقصد وزراء حمس، وعليهم مغادرة هذا الموقع؟ وكيف سيتعامل وزير الأديان مع الأسرة المثقفة من الروائيين والممثلين الذين لهم مفهوم خاص للإبداع قد يتعارض مع النصوص الدينية؟ وما هو حكم وزارة الشؤون الدينية في المهرجانات وحفلات الرقص والغناء وعرض الأزياء ومسابقات ملكة الجمال التي تشرف عليها وزارة الثقافة مثلا والتي هي في مقياس من ينتسبون إلى الفتوى على أنها تطرّف في الاتجاه المعاكس للأخلاق والقيم الدينية؟ وهل هذه المؤسسات مثلا قادرة على محاربة التطرف وهي غارقة في الفساد المالي كما أبانت تقارير مجلس المحاسبة والمفتشية العامة للمالية، وبالتالي كان على وزير الأديان الذي يتكلم أكثر مما يفعل، أن يجعل من أولوياته إدخال إصلاحات عميقة في قطاعه بدل التفكير في “مرصد محاربة التطرف” وهذا بإعادة النظر في منظومة التكوين كما أشرت إلى ذلك عدة مرات، والاعتناء بالمساجد والمدارس القرآنية لربط الأجيال بمرجعيتنا الوطنية منذ الصغر وللارتقاء بالخطاب المسجدي وبمستوى أداء الإمام الذي تخلّف عن التفاعل والتعاطي مع نوازل العولمة والحداثة.
وإذا كان أغلب أئمتنا عاجزين عن القيام بهذا الواجب ببلادهم الجزائر فكيف لهم التوفيق والنجاح في مهمتهم بفرنسا التي يريد وزير الأديان الاستجابة لطلبها المتمثل في “نريد إماما لائكيا قحا” يؤمن بـ“الزواج المثلي” وبالزواج المدني الذي يبيح للكتابي مناكحة المرأة المسلمة وبحرّية سب المقدسات وبمصادقة إسرائيل، وبضرورة ولاء جاليتنا لفرنسا الأم قبل الجزائر ماداموا يقيمون فيها وينتفعون بخيراتها؟ أليست الفتوى خاضعة لمقتضى المكان كما يقول الفقهاء؟
إذا كانت لوزير الأديان الشجاعة الكافية فعليه كذلك محاربة التطرف الذي يخدش الحياء ويتعارض مع ما هو معلوم من الدين بالضرورة وبنفس العزيمة والصرامة التي يحاول أن يظهر بها في تصريحاته الإعلامية غير الموفقة، وإلا اتهم بالانحياز الذي لا يزيد الأمور إلا تعقيدا.
إن التطرف الذي ينوي محاربته وزير الأديان موجود في رأسه فقط، فالتيارات الدينية أو المذهبية التي زعزعت مرجعيتنا الوطنية وجدت الفرصة والمناخ المناسب حينما كان معاليه مديرا للتوجيه الديني والتعليم القرآني لمدة عقد من الزمن، وبالتالي فهو من يتحمل مسؤولية تفشي هذه الظاهرة التي يحذر منها اليوم؛ ففي العهد الذي كان فيه مسؤولا على المساجد مسؤولية مباشرة تفشى التطرف المذهبي وغزت السلفية الوهابية مساجدنا في المناطق الحيوية والحساسة كما غزت منابرنا كذلك الرداءة، ولا داعي إلى النبش في تفشي بعض المنكرات في بعض دور العبادة إلى درجة ارتكاب الفاحشة والسرقة التي لم تعد خافية على الرأي العام. والسؤال أين هو مشروع الجمعيات الدينية الذي مرّ على الحديث عنه أكثر من ثلاث سنوات؟ وأين مشروع إعادة هيكلة وتفعيل دور المركز الثقافي الإسلامي وفروعه بالولايات ليقوم بدور التوعية والتنوير لتحقيق الأمن الفكري؟ أما عن الأمن الديني فالتساؤل هو: ما هو دور المفتشية العامة المركزية بالوزارة وفروعها بالولايات؟ وما هو محلها من الإعراب؟ ألم يصرح وزير الشؤون الدينية السابق بأن المفتش هو بمثابة الجندي في مقاطعته وبأن مهمته لا تقتصر على المسجد وفقط وإنما بكل ما يحيط به وعلى مستوى كامل المقاطعة المتواجد بها وبأن عليه “استشراف ما يمكن أن يحدث من مظاهر وظواهر دينية قد تتسبب في حدوث فتن..”؟ ولكن يبدو أن الوزير الحالي يريد أن يظهر “حنة يديه” ليقضي على طيف غلام الله الذي بقي يخيّم على القطاع برغم رحيله.
إن تعدّد المراصد ببلادنا لم يستطع حل المشكلة المطروحة عليه، والتحدي الذي أمام وزير الأديان والمعركة التي يجب أن ينتصر فيها ابتداء هي في المقام الأول التخلي عن غروره الذي جعله لا يحسن اختيار الرجال من حوله. أما الخطوة التالية فهي إعادة الاعتبار والمصداقية للقطاع الذي يشرف عليه والذي لم يسلم حتى هو من الفساد الأخلاقي والإداري والمالي، كما أن غلق أبواب الحوار والضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تستثمر فيها التيارات الدينية واللادينية كفيلة بإبقاء التطرف المذهبي أو “الاستلاب المذهبي والديني“، فارضا نفسه وبقوة، وبالخصوص حينما يعترف الوزير السابق غلام الله، في أحد المؤتمرات التي كانت تغطيها وسائل الإعلام بـ“أن الجزائري لا يزال يبحث عن هويته وعنده قابلية للاستلاب والغزو الثقافي“.
والحال هذه، مع تحفظنا على هذا الحكم الصادر من مسؤول كبير في الدولة، هل الوزير الحالي “المعتدّ بنفسه زيادة على اللزوم” على حد تعبير زميلي الإعلامي قادة بن عمار، قادر على قلب المعادلة؟ الجواب: مع الأسف لا أظن ذلك لأنه كما يقال: “حاطب ليل” والسلام على من اتبع الهدى.