مساعد ذكي في الجيب.. اسأل “شات جي بي تي” ولا تسأل الطبيب!
“كنت أشعر بدوخة وتعرق مفاجئ، فاستعملت تطبيقًا ذكيًا أعطاني فكرة عن احتمال هبوط سكر الدم، ما ساعدني على اتخاذ القرار المناسب بسرعة، حيث تداركت نفسي بتناول قطعة حلوى على الفور”.
هذا ما قالته وصال، إحدى مستخدمات “شات جي بي تي” في الجزائر، قبل أن تسترسل في الحديث معنا عن الأهمية التي بات يشكلها مساعدها الذكي في تشخيص أي حالة صحية تستشيره بشأنها.
وليست هذه الشابة العشرينية وحدها من تعتمد على التكنولوجيا الرقمية في تشخيص حالتها الصحية، بل بات كثير من الجزائريين يلجأون إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتقديم تشخيص أولي أو لفهم أعراضهم بشكل أفضل قبل زيارة الطبيب أو حتى دون التفكير في ذلك!

عندما تصبح الخوارزميات مرجعًا صحيًا للمرضى!
وفي ظل التطور التكنولوجي المتسارع، بدأت رحلة مرضى جزائريين تأخذ مسارًا جديدًا بعيدا عن المستشفيات، إذ لم تعد زيارة الطبيب هي الوسيلة الوحيدة للاطمئنان على الصحة، بل بات الذكاء الاصطناعي وفقا للبعض يساعد في تقديم تشخيص سريع يغني عن عناء الانتظار في قاعات العلاج.
ومع النقص الواضح في الكوادر الطبية والضغط المتزايد على المستشفيات العمومية، إضافة إلى غلاء الفحوصات في العيادات والمراكز الخاصة، أصبحت الخوارزميات تشكّل بوابة بديلة للحصول على الرعاية الصحية، حيث تتيح المنصات الرقمية أدوات متقدّمة للمرضى من أجل فهم حالتهم، من خلال تحليل الأعراض وتقديم تشخيصات أولية، بل وحتى قراءة نتائج التحاليل وصور الأشعة.
وهذه الوسائل أصبحت وفقا للدكتور في الطب العام ش. نبيل متاحة للجميع، في الجزائر، عدا المهمشين رقميا، حيث بدأ كثير من المرضى يعتمدون على “التشخيص الذاتي” بدلاً من التوجه إلى المستشفيات والعيادات ولسان حالهم يقول “اسأل شات جي بي تي” ولا تسأل الطبيب”!
ولعل الخطير في ظاهرة التشخيص الرقمي أن بعض الأشخاص لا يكلفون أنفسهم عناء التوجه إلى المستشفى أو زيارة الطبيب لإجراء فحص سريري دقيق، بل يكتفون بعرض الشكاوى الصحية على أدوات الذكاء الاصطناعي، ويطلبون علاجًا مباشرًا بناءً على ذلك.
وفي هذا السياق، تقول الدكتورة الصيدلانية سمية بن نور إن “كثيرين يقصدون صيدليتها حاملين أسماء أدوية اقترحها عليهم (ChatGPT) أو مستشار ذكي آخر، معتقدين أنهم مصابون فعلًا بما تم تشخيصه رقمياً”.
وتشير بن نور إلى أن بعض هؤلاء يُصرّ على الحصول على الدواء دون وصفة طبية، ويجادلها عند الرفض، رغم أن صرف الأدوية دون وصفة يعد مخالفًا للقانون ويشكل خطرًا على صحة المرضى.

من جانبها قالت الدكتورة حماني، الأخصائية في أمراض النساء والتوليد، إن الذكاء الاصطناعي يلعب دورًا محوريًا في تحسين صحة النساء، خاصة في مجالات التشخيص المبكر ومتابعة الحمل، حيث أوضحت مدى دقة بعض الأدوات الرقمية في تحليل البيانات الصحية، والتنبؤ بالمضاعفات المحتملة مثل تسمم الحمل أو سكري الحمل، مما يسمح بتدخلات وقائية في الوقت المناسب.
وذكرت أن “هناك عدة تطبيقات تُستخدم في الجزائر لدعم صحة المرأة، منها تطبيق “أنت والحمل” الذي يرافق المرأة طوال تسعة أشهر، ويقدم معلومات حول مراحل تطور الجنين، بالإضافة إلى نصائح غذائية، مواعيد الفحوصات، وحاسبة لموعد الولادة المتوقع”.
كما أشارت إلى تطبيق “GraviLog”، الذي “يُعتبر أول تطبيق يدمج بين رعاية النساء الحوامل والسجلات الطبية الإلكترونية، ويوفر متابعة دقيقة لصحة الحوامل، مع عرض صور ثلاثية الأبعاد لتطور الجنين، وتمكين الأطباء من مراقبة الحالة عن بُعد”.
ولأن الصحة لا تقدر بثمن، تُحذر المختصة من الاعتماد الكامل على التطبيقات الذكية أو المساعدات الرقمية دون متابعة طبية مباشرة، مشددة على أن “الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُغني عن الفحص السريري”، ولافتة إلى أن هذه البرامج نفسها تنصح بمراجعة المختصين.

ما مدى دقة أجوبة شات جي بي تي عندما تسأله عن صحتك؟
أظهرت دراسة علمية حديثة، نُشرت في مجلة iScience بتاريخ 20 جوان 2025، أن إجابات شات جي بي تي على الأسئلة المتعلقة بالصحة تتفاوت في الدقة بشكل كبير، بحسب نوع السؤال والمصطلحات المستخدمة، وبالتالي فإن آداءه في تشخيص الأعراض الطبية لا يزال محدودًا، حيث أظهر دقة متوسطة لا تؤهله لأن يكون مصدرًا موثوقًا في هذا المجال.
وأرجع الباحثون السبب إلى اعتماد النموذج على لغة مبسطة تفتقر إلى الدقة العلمية المطلوبة في السياق الطبي، مما يؤثر على فهمه الصحيح للمعلومات الحساسة.
في المقابل، برز تفوق الذكاء الاصطناعي في التعرف على المصطلحات الطبية الرسمية، مثل أسماء الأمراض والأدوية والمعلومات الجينية، حيث حقق نسب دقة عالية. إلا أن الدراسة حذّرت من ظاهرة “الهلوسة”، أي اختلاق معلومات غير صحيحة عند غياب البيانات الدقيقة، ما يسلّط الضوء على الحاجة لتطوير هذه النماذج وتدريبها بشكل أعمق على المفاهيم الطبية المتخصصة، خاصة مع تزايد اعتماد الناس عليها للحصول على استشارات صحية فورية.
From knowledge generation to knowledge verification: examining the biomedical generative capabilities of ChatGPThttps://t.co/JXVcZiUwPL pic.twitter.com/TnXwtsN3jK
— Agingdoc🩺Dr David Barzilai🔔MD PhD MS MBA DipABLM (@agingdoc1) August 6, 2025
مختصون يؤكدون: لاغنى عن الطبيب والألم لا يُقاس بتوقعات روبوتية
اليوم، تستثمر شركات التكنولوجيا مليارات الدولارات في تطوير أنظمة ذكية قادرة على التشخيص، والتوصية بالعلاج، بل وحتى إجراء الجراحات المعقدة، لكن، وسط هذا الزخم، يطرح الدكتور بن مبارك، جراح الأعصاب، تساؤلًا لافتًا: هل يمكن للآلة أن تحل محل الإنسان في العلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض؟
مما سبق ذكره يتضح أن التحول الرقمي في الجزائر جعل الكثير من المرضى يعتمدون كغيرهم من شعوب العالم على مواقع وتطبيقات ذكية لتشخيص أعراضهم الصحية، ما يعكس ثقة متزايدة في التكنولوجيا وأحيانًا نظرة سلبية تجاه زيارة المستشفيات.
ويؤكد المختصون الذين تحدثنا معهم في الموضوع أن “الذكاء الاصطناعي يعزز من قدرات الخبير ويوسع آفاق التشخيص، لكنه يبقى مجرد أداة مساعدة للطبيب وليس بديلاً عنه، بل ولا يمكن لأي خوارزمية أن تحل مكانه، نظراً لما يتطلبه القرار الطبي من حس إنساني، وتقدير للسياق الشخصي والاجتماعي لكل مريض، وهي أبعاد لا يمكن للآلة أن تستوعبها بشكل كامل مهما بلغت دقتها”.
يقول الدكتور مكاوي مؤكدا على ضرورة مراجعة الطبيب بشكل مباشر إن “إعطاء استشارات طبية عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون فحص سريري يُعد مخالفة لأخلاقيات المهنة، لأنه يعتمد على معلومات ناقصة وقد يؤدي إلى سوء فهم وتشخيص خاطئ”.
وإذا كانت استشارة طبيب حقيقي عن بُعد لا تُعد مقبولة أخلاقيًا ومهنيًا دون فحص مباشر، فكيف يمكن الاعتماد على تطبيق أو برنامج ذكي لا يمتلك أي قدرة على التواصل الإنساني أو فهم الحالة النفسية والاجتماعية للمريض؟
إن التشخيص السليم، لا يتم إلا من خلال طبيب يُعاين، يطرح الأسئلة، ويُقدّر الحالة بكل أبعادها، ووفقا لخبراء فإن الخوارزميات، مهما بلغت دقتها، تبقى محدودة بالمعطيات التي تُغذّى بها، ولا يمكنها استيعاب الفوارق الفردية بين المرضى أو التغيرات الدقيقة التي لا تُرصد إلا بالفحص المباشر.