-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة

الشروق أونلاين
  • 1189
  • 0
مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة
ح.م

“فوبيا الجماهير” ظاهرة صحيّة، وآليَة من آليات كبح جماح الطغيان السّياسي، وخضْد شوكة البغي.. لكنّ الرّهان عليها وحدها قد يبدّد جهود المحتجّين، ويقوّض آمالها في تراكميّة الانتصار، ويذهب بثمرات العمل الجماعي.. فالذّوبان في المجموع يكون لبعض الوقت، إذا احتاج الحراك الشّعبي إلى كتلة ضامنة للضّغط على من صمّت أذانهم عن سماع أنين الغلابَى، وأدار ظهره لصراخ الملايين.. فإذا تحقّق المطلب الأساس وصار “رأس الخيط” بيد الكتلة المرجّحة للقرار، وجب أن ينتقل مركز الثّقل من الجماهير إلى ممثّليها من النّخب لتستكمل ـ تحت رقابتها ـ مشروع “البيروسترويكا” بما هو متاح من المكاسب المحقّقة. أما إذا استمرّ الضّغط بالكتلة على العقل، فالنّتيجة التي قرّرها التّاريخ كلّه لن تخرج عن ثمرتيْن أحلاهما شديدة المرارة.
ـ إما سقوط الموجود بضربة قاضيّة، وهو ما يتطلّب سنوات لجمع ركامه وتنظيف مكانه لإعادة تأسيس بناء جديد، والشعوب لا تصبر عادة على من آل إليهم الحكم وإدارة الشأن العام
ـ وإما تنبيه الموجود إلى أخطائه، فيسارع إلى إصلاحها بأدواته، ويوصد الباب على كل قادم جديد بحجّة الخوف على الاستقرار، والتنافس على خدمة فريق من الثّائرين لتشظّي كتلة الغاضبين. فالسّقف المرفوع يغري ولكنّه لا يغني ولا يُقني.
فالكتل الغاضبة لا يقنعها المنطق، لأنها ثائرة على واقع مشترك أرهق جميع أفرادها بأشكال متباينة، ولكنّ الأنين واحد، وقديما قيل: إذا تشابه الأنين فالعلة واحدة. واليوم نقول: إذا تشابهت المطالب فالفساد واحد، لكنّ جهاته متعدّدة، ومن ذكاء قادة الرّأي أنهم يختزلون الفساد في “رأس مستهدف” يوجّهون له سهامهم تباعا حتّى يتشظّى يسقط، فإذا سقط اكتشفوا أنه لم يكن هو الفساد الوحيد، ولا هو “رأس الفساد”، وإنما هو الشّجرة التي كانت تغطّي الغابة، فلما تمّ قطعها وتهاوت بدا للغاضبين أنّ الغابة ـ التي سقطت منها شجرة ـ مليئة بالضّباع والثّعالب والذّئاب والسّلاحف والتّماسيح.. وأنّ سقوط شجرة منها لا يحلّ أيّ مشكلة، بل قد يزيد الوضع تعفّنا، وينقطع الأمل في التّغيير. فتصرّفات الكتل عادة ما تخرج عن المنطق ولا تعترف بالتّحليل المنطقي ولا تستجيب إلاّ لمن يصعّد ويبالغ ويبشّر الجماهير بأنّ ما تراه أعينهم هي نمور من ورق، وأسود منفوخة بالتّبن، وضباع معقورة، وقنافذ مخضودة الأشواك.. فإذا تزاحمت وتدافعت ودمّرت كل من يدعوها إلى التعقّل، بذريعة أنهم مثبّطون.. رفعت الجماهير الغاضبة على أكتافها بعض أعدائها من الذين يحرّضونها على “العصيان المدني”، فإذا انجلى غبار المعركة اكتشف العقلاء أنّ فرض منطق اللاّمنطق قد كبّدهم خسارتيْن.
ـ خسارة مصداقيّة الجماهير التي راهنت على المثال فصدمها الواقع.
ـ وتبدّد الحلم الذي كان قاب قوسيْن أو أدنى، فأصبح بُعْد المشرقيْن.
في كل مسارات التاريخ، نجد أنّ الذين يحصدون ما تزرع الثّورة ليسوا من يفجّرها، والذين يحصدون ثمار غضبة الجماهير هم الذين يتحرّكون مع حراكها بسرعتيْن متوازيتيْن، الأولى: إظهار منطقيّة مطالبها بالخطاب والبيان. والثانيّة: ركوبها لخدمة أجندات خاصّة، باتّخاذ اللاّمنطق لخدمة المنطق، وشيطنة الخصم بالإشاعة التي تجعل الجنّة مرهونة بزواله.. وهي سياسة معروفة لخّصها أحد الانتهازيين بقوله.
ـ دغدغ عواطف الجماهير ومرّر مشروعك، ففي الزّحام لا أحد يسمع.
ـ لا تقف في وجه العاصفة، ولكن انشر لها شراعك وتظاهر بالنّفخ فيه.
صحيح أنّ الاحتجاج على الواقع الفاسد فيه مصلحة للوطن، وصحيح أيضا أنّ الماء الرّاكد يأسن، وإذا جرى طاب، ولكنّ الثّورة على الواقع إذا لم يرافقها وعي بوجوديّة الإنسان وسقف محدّد للمطالب، لا يستفد من ثمرتها سوى من ليس عنده شيء يخسره، ومن يدرك أنّ الفساد قد بلغ القاع، ومن يعتقد أنّ التّغيير صار عمليّة قيصريّة لا بدّ من إجرائها، حتّى لو خرج المولود مشوّها أو ميّتا؛ فالقائم يجب أن يسقط ولا يهم من يحلّ محلّه، إذا تحوّل الفساد إلى “حتميّة تاريخيّة”. فبعض الشرّ أهون من بعض. والغريب في كل حراك سياسي أنّ الجماهير التي تثور ضدّ واقع تعتقد أنه استنفد أغراضه وانتهت صلاحيّة استخدامه، ليسوا من غوغاء الناس، ولا هم من حثالة القوم، ولا من هوامش المجتمع.. بل هم خيرة شباب الأمّة، بدليل أنّ طلائع الحراك كانت دائما من العواصم الحضاريّة. وهو ما حدث في القرن الماضي مع الجماهير التي هتفت بحياة زعماء غيّروا التاريخ، انطلقت الجماهير من قلب باريس، وروما، وميونيخ، وفيينّا، وموسكو، وهافانا.. فأسقطت قادة واستبدلت وجوها بوجوه.. ولكنّ بعض هذه الجماهير انقلبت على قادتها لما تبيّن لها أن “المدينة الفاضلة” ليست فوق هذه الأرض، وأن جمهوريّة أفلاطون فلسفة تدرَّس في المقرّرات المدرسيّة والجامعيّة، ولكنها أحلام فلاسفة تطير في السّماء جميلةً كالفراش، فإذا حطّت فوق الأرض تحوّلت إلى حشرات طائرة !!
حتّى لا يتّهمني أحدٌ بأنني ضدّ الحراك الشّعبي، أو أنني أثبّط حركة التّغيير السّلميّة الهادئة الرّائعة، التي تستحقّ ـ إلى غاية اليوم ـ العلامة كاملة، أؤكد أنّ الحراك أوتيّ أكلَه واستطاع أن يوصل بسلميته رسالته بوضوح إلى أذن الرّئيس المترشّح، فقرأها قراءة سياسيّة، لا أثر فيها لأيّ مطلب اجتماعي ولا ثقافي ولا لغوي ولا عرقي: لا نقبل ترشّحك لولاية خامسة. ووضوح الرّسالة وقوّتها وتأثيرها السّريع مستمدّ من إيصاد ثلاثة منافذ رابط على ثغورها المحتجّون، وعدّوها من نواقض الحراك الشّعبي، وجعلها بعضهم خطوطا حمراء يُمنع مجرّد التفكير فيها، وهي.
ـ التفكير في رفع وتيرة الحراك السّلمي إلى سقف العصيان المدني، بذريعة الضّغط العالي لإسقاط النظام، فهذه وسيلة تمّت تجربتها، وكان حصادها هشيما.
ـ التفكير في التدخّل الأجنبي، بأيّ شكل وتحت أي ذريعة، فمن استعان بخصومه على منافسيه زلّ، ومن استنجد بأعدائه على أبنائه ذلّ.
ـ التّفكير في “النّظريّة الصّفريّة” أو في “الكوجيتّو”، الذي يمسح الموجود كلّه، كأنه لم يكن، ويزرع جديدا لا صلة له بالقديم. فالتّراكميّة تفرض الإضافة، والتجديد لا يعني الجديد. فليس كل قديم فاسد ولا كل جديد صالح، وفي كلّ خير وشرّ وحلو ومرّ..
شكرا لكم، ألف شكر.. فهذا الحراك جدّد الدم فينا، وبعث في أوصالنا الأمل، وأعاد إلينا ذكريات الشّباب، وشرّفنا بين الأمم.. وحقّق “المطلب الأعلى” بشطب الخامسة، وفرض منطق جديد في الرّقابة الشّعبيّة وفي التعامل مع صحوة الشّعوب المطالبة بسلطتها على حكامها سلميا: فلا خامسة، ولا حكومة، ولا لجنة مراقبة انتخابات، ولا ترشّح للرئيس المنتهية عهدته دستوريا بأي حال من الأحوال.. بل هو فتح لطّريق جديد أمام جزائر جديدة، بدستور جديد وآليات جديدة.. تُسلَّم فيها الأمانة للجيل الثاني والثالث، وتقع مسؤوليّة تأسيسها على هيئة وطنيّة محكومة بسقف زمني لا يتجاوز السّنة الواحدة. وهي “المهمة الأخيرة” للرّئيس، والمخرج الآمن الحسن من تخبّط كاد يعود بنا جميعا إلى مربّع المأساة الوطنيّة لولا لطف الله، ثم سلميّة الحراك، ثم تفهّم الرّئيس للشّعارات المرفوعة والشّروط الموضوعة، لكان الحصاد هشيما. فالصّبر أقوى كل ركامات الماضي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!