مستغانم: طلبة الفنون يحاكمون “برناردا”!
ستكون أمسية الأحد القادم بمسرح مستغانم الجهوي (18.00 سا)، مميّزة على طول الخط مع أول عرض ينجزه طلبة قسم الفنون لجامعة “عبد الحميد بن باديس”، وبرؤية إخراجية لـ “سيد أحمد قارة” وطاقم تمثيلي مغمور، سيتسنى لعشاق أب الفنون مواكبة “بيت برناردا ألبا” وهي أهم مسرحية أبدعها شاعر إسبانيا الكبير “فيدريكو غارسيا لوركا” (5 جوان 1898 – 19 أوت 1936).
“الأحلام لا تموت، ولا ترحل في الظلام بل تتحدى الفناء”، هي فلسفة تشبّع بها “قارة” ودفعته في ظرف قياسي لم يتعدّ خمسة عشر يوما، لتأطير كوكبة من الطلبة المولوعين بالمراكحات، وتمكينهم من الاشتغال بكثير من الحب والحماس والجسارة على واحدة من أيقونات المسرح العالمي.
هي مهمة على صعوبتها، تمسّك طلبة من طراز خاص بتجسيدها، فكانت التمارين الشاقة والتداريب المكثفة فرصة لاستكشاف قدرات جديدة بوسعها منح قيمة مضافة إلى قسم الفنون التابع لكلية الآداب بجامعة “مستغانم”، وهو أفق أكاديمي سينتعش أكثر مع دفع عطاءات: “إيمان بلعالم” (برناردا)، “إيمان تامورت” (ماغدالينا)، “خيرة سري” (مارثيريو)، “شهرة سراي” (آديلا)، “كنزة مرحوم” (بونيثيا)، “سلسبيل دغايشية” (بروديسيا)، “منيرة بشرى شيخ” (آميليا)، “زهرة العابد” (أنجوستياس) و”زكي العايمش” (الجدّ)، إضافة إلى المساعدة “عايدة بوشلي”، كوريغرافيا التربول “رياض بروال” والتركيب الموسيقي الذي وضعه المخضرم “احميدة بلعالم”.
تحريم الفرح والحبّ
تدور أحداث العمل الماراثوني الذي جرى اختزاله في ساعة من الزمن الركحي، في بيت الأرملة “برناردا ألبا” التي تأمر بعد وفاة زوجها الثاني بإقامة الحداد على روحه ثماني سنوات، تحرّم خلالها الفرح والحبّ على بناتها الخمس وتلزمهنّ بارتداء ملابس الحداد. طيلة تلك المدة حرّمت “برناردا” على بناتها الخروج من المنزل بل وحرمتهن من فتح نوافذ هذا البيت خوفا منها على شرفهن، لم تفكر لحظة واحدة أنّ البنات يقفن على عتبة العنوسة، وأنها تبدّد أعمارهن وتقضي على أي احتمال للزواج لكن البنات واجهن هذا القرار برفض قاطع وثورة على الأم القاسية.
النجمة الوحيدة في ليل طويل
قامت “برناردا” بمنع البنات دون رحمة وطلبت من المربية مراقبة حركاتهن في البيت، نسمعها تقول: “لا أريد لهواء الشارع أن يدخل هذا البيت”، فتعيش البنات أجواء قاتمة مليئة بالكآبة والحرمان، ولم تدرك برناردا أنه لا يمكن لإنسان أن يعيش في هذا العالم بهذه الطريقة القامعة للحريات والتي كانت نهايتها كسر عصاها على يد الصغرى “آديلا” صاحبة العشرين ربيعًا، وكانت آديلا مثل النجمة الوحيدة في ليل طويل.
“برناردا” التي تصرّ على تكريس الماضي الذي مات منذ زمن سحيق، تعود مجدّدا، اختارت أن تعيش بعد “آديلا” في نكران آخر، نكران يعريه الزيف والأوهام.
حتى عيوننا ليست لنا !
برناردا مثال الأمّ التي ورثت تقاليد بالية تمارسها دون منطق، فتحوّلت إلى سّجان يحاصر خمس نساء مليئات بالرّغبة، من أجل الحفاظ على شرفهنّ بعد وفاة رجل البيت.
برناردا أرادت لبناتها أن يعشنَ دون حياة، أغلقت البيت، ومنعتهنّ من الخروج، وصادرت أحلامهنّ وكلّ ما منحته الطبيعة لهنّ. بغبائها وجمود عقلها ظنّت أنه يمكنها حبس الماء، غير مدركة أنه لا يمكن لإنسان – يعيش لحين في هذا العالم، أن يقول للغيوم ألاَ تُمطر، وللرّبيع ألاّ يعود، وللتراب ألاّ يلد العشب الأخضر وشقائق النعمان.
بنات “برناردا” كنّ يسرقنَ الفرح خلسة بالنظر من النوافذ أحيانا وبالتنصّت على أحاديث الرّجال العابرين قرب البيت أحيانا أخرى. كنّ سجينات البيت وسجينات أجساد لم تكن ملكًا لهنّ. نسمع إحداهنّ تقول لأخواتها وهنّ يسترقن النظر إلى الرجال العائدين من الحقول: “حتى عيوننا ليست لنا !”.
أوطان مقموعة
تعدّ “برناردا ألبا” التي كتبها “لوركا” في آخر أيامه (1936)، كلمة حق تعلي قيمة الحياة، بعدما رأى “لوركا” الظلم على النساء في المجتمع الاسباني خلال ثلاثينيات القرن الماضي زمن السفاح “فرانكو”، والنص ينسج في سياق سياسي ما بين الشاعرية والشجن، حيث جرى تقديم “برناردا” كأنموذج لبيوت/أوطان مقموعة، ورافع الكاتب الذي واجه بالقلم حكم الحديد والنار، لكسر هذا القمع عبر أصغر عضو حتى يعيش بحريته مهما كانت النتائج.
والفاحص لدراما “برناردا”، يلاحظ إبراز “لوركا” حتمية كسر ثقافة النكران وسحق الهيمنة، ودعوته للتمرّد على ثقافة الموت، وانتزاع الحياة في سجن كبير، فضلا عن قتل الخوف والانتماء إلى عقل مفخوخ، عبر كبح سكون المقابر واستعادة ملكية الذات لتحيا الحياة، فالزمن الجديد لا ينبغي أن يُقتل كلّ يوم، والحياة لحظة حلم أبدي.