الرأي

مسلمو الغرب بين القاعدة وداعش

قد لا نصدق ما كتبته هيلاري كلنتون في مذكراتها “خيارات صعبة” عن “داعش” والاعتراف الدولي بها كدولة إسلامية في العراق والشام حين تدعونا اليوم أمريكا وأوروبا للتحالف ضد هذا التنظيم، لكن حين تتأمل كيفية إنشاء القاعدة وأخواتها تدرك أن كل شيء ممكن في القطبية الأحادية، فما الفرق بين قاعدة الراحل أسامة بن لادن وقاعدة الضابط السابق أبو بكر البغدادي؟

وجهان لأمريكا

سموها القاعدة ثم تنظيم القاعدة لتصبح قاعدة الجهاد في أفغانستان بأخواتها في اليمن والعراق والمغرب العربي ولدت مع سقوط جدار برلين بهدف دفع العنف إلى المساجد والتحريض على محاربة الشيوعية وإشعال حرب بينها وبين المسلمين في بلدانها، ما أدى إلى ظهور فكرة “تكفير الآخر والجهاد ضده”، كانت النشأة بين أحضان أمير سعودي بتجنيد الشباب المسلم في حرب ضد أفغانستان فجاءت القاعدة “تنظيما سنيا” بتمويل استخباراتي أمريكي ساعد في تحرير أفغانستان من النظام الشيوعي، وبمجرد ما عاد العرب الأفغان إلى بلدانهم احتضنوا “المجاهدين” الذين كانوا معهم وألحقوهم بهم لينشئوا جماعات في الجبال فكان عددهم في الجزائر يتجاوز 12 ألف شخص خاضوا حربا دموية ضد الجزائريين دامت

أكثر من سبع سنوات.

من يتتبع آثار هذا التنظيم وتداعياته الدولية يجد أنه يحقق لأمريكا مبررات الانفراد بالقرار الأممي والحروب الاستباقية التي قادتها بعنوان “حماية الأمن القومي”، وإذا كانت مهمة هذا التنظيم انتهت عربيا فهو مطالب بالتوجه نحو قارات أخرى، فكيف ضللت أمريكا العالم؟

يقول بيكريونج وبيتر حبسر في كتابهما “الاعلام والمؤسسة العسكرية” عن الطريقة المتبعة في ذلك وتتضمن ست مراحل: “1- سرية التخطيط، 2   أبلسة الزعامة المعادية، 3 زعزعة النظام المستهدف، 4 البحث عن المشروعية، 5 الحشد والانتشار، 6 التأثير”، هذه الخطة سبق لأمريكا أن طبقتها في حروبها السابقة وتطبقها اليوم لصالح التنظيمات التي أنشأتها، فالحصار الاقتصادي على روسيا يستهدف دفعا عن التخلي عن سوريا حتى تنفرد بها “داعش” والتحالف الأمريكي الاوروبي العربي الاسلامي ضد هذا التنظيم في العراق يراد منه إعادة الهيمنة على المنطقة العربية بعد أن صار الربيع العربي لمشروعها في إعادة تقسيم الوطن العربي.

كشفت هيلاري كلنتون سرا من أسرار أمريكا بالرغم من أنها تعمل من خلافة الرئيس بارك أوباما – تزعم فيه أن أمريكا أسست الدولة الاسلامية في العراق والشام وأن الإعلان عنها تقرر أن يكون يوم 5 جويليه 2013 للاعتراف بها أمريكيا وأوروبيا”، وتحدثت بإسهاب عن زياراتها لـ 112 دولة من بينها الجزائر وما لقيته من ترحيب بالفكرة لدى الكثير من الدول، فهل صدفة أن يقود الفريق عبد الفتاح السيسي يوم 3 جويلية 2013 انقلابا على الرئيس محمد مرسي مرشح (الاخوان المسلمون) في مصر.

تعتقد السيدة كلينتون بأن ما حدث أفشل المشروع الأمريكي زاعمة: “أن كل شيء كسّر أمام أعيننا دون سابق إنذار، شيء مهول حدث، فكرنا في استخدام القوة لكن مصر ليست سوريا أو ليبيا فجيش مصر قوي للغاية وشعب لن يترك جيشه وحده”.

أمريكا التي تخصص أكثر من مليار و900 مليون دولار لمساعدة الجيش المصري لا تعرف الحقيقة والإخوان الذين تصدوا لإسرائيل عام 2012 صاروا عملاء أمريكا؟

إن مثل هذا الاعتراف يكشف عن وجود خطة أمريكية لإعادة مصر إلى عهد أنور السادات لتنهي القضية الفلسطينية وتدفع بالعرب إلى الالتفاف حولها لتكون القاطرة التي تقود العرب إلى نهايتهم المنشودة أمريكيا.

إن مجرد التفكير في قيام دولة إسلامية في الوطن العربي والتصريح به علنا دون رد فعل يكشف مدى “انحطاط” الحكام العرب وسكوت الشعوب العربية، فالإخوان المسلمون الذين تحدثت عنهم السيدة كلينتون ليسوا من العرب.

إذا كانت أمريكا قد ظهرت على أنقاض شعب الهنود الحمر مثلما ظهرت إسرائيل على أرض الشعب الفلسطيني، فإن تنظيم القاعدة يحمل البذور نفسها فالعقيدة إسلامية و”مجاهدوها” من مختلف الجنسيات والأعراق ولكنهم يستهدفون الفلسطينيين فقط وخاصة الأطفال والنساء حتى لا يأتي جيل جديد يحرر البلاد منهم.

إن الاعتقاد السائد عندي بأن هناك حربا صليبية بمشاركة دول عربية ضد السنة في العراق وسوريا ظاهرها استئصال ما يسمى بالتطرف الديني وباطنها تشريد مسلمي الغرب وسن قوانين للحد من انتشار الاسلام في أمريكا وأوروبا ولا داعي للاستشهاد برفض الاتحاد الأوروبي تركيا الالتحاق به ومحاولة إقحامها في الصراع بالمنطقة، فأي مستقبل لأمة لا تدافع عن دينها وتقوم بتشريد أبنائها والزج بهم في حروب “داعش والغبراء”؟   

مقالات ذات صلة