مشاريع الترقية العقارية “السرية” محلّ تحقيقات واسعة
تخضع الكثير من أنشطة الترقية العقارية غير الرسمية في مدن مختلفة من الوطن ووهران تحديدا، إلى تحقيقات إدارية وأمنية، يشرف عليها الولاة شخصيا لأجل تحديد المسؤوليات في تكاثر الأنشطة غير القانونية لترقيات عقارية في التجمعات السكانية، التي تحولت في المدة الأخيرة إلى “ورشات سرية” لإنجاز عمارات شاهقة فوق مساكن قديمة كانت تأوي سكنات فردية.
وترافق هذه التحقيقات المستمرة التي أطلقتها جهات أمنية بتعليمات صادرة عن والي وهران على وجه التحديد، حملات دهم متواصلة لعديد الترقيات العقارية في طور الإنجاز، تحت إشراف والي وهران، الذي كان قرر في الاجتماع الأخير الذي جمعه بعدد من المديرين التنفيذيين المعنيين، بتاريخ 10 جانفي الجاري، في إطار مهام اللجنة الولائية لمراقبة ومتابعة أشغال الترقيات العقارية عبر ولاية وهران، تجميد رخص بناء بعض الترقيات العقارية بسبب عدم التقيد بضوابط هذا النشاط وعدم احترام معايير البناء المعمول بها، خاصة الامتثال لقواعد السلامة، وتعريض حياة الأشخاص للخطر، لكون أن العشرات من العمارات الشاهقة التي رصدتها اللجنة الولائية ذاتها في حملتها الرقابية المتجددة، أقيمت بجوار مساكن فردية قديمة في عدة أحياء شعبية على غرار، ڨمبيطا (حمو بوتليليس)، تريڨو والعثمانية.
وقرر والي وهران تجميد رخص البناء التي منحت لعدد من أرباب الترقيات العقارية في وقت سابق، مع إعلانه عن فتح تحقيق معمق لتحديد المسؤوليات وراء هذا النشاط غير القانوني وضبط المزايا المشبوهة التي كانت وراءها جهات إدارية مختلفة.
وحسب ما أفاد به المصدر بعينه، فإن اللجنة الولائية لمراقبة أنشطة الترقية العقارية في وهران، وقفت في الأيام القليلة الماضية، على سلسلة من الاختلالات الخطيرة، وذلك تنفيذا لتعليمات الوالي في الاجتماع التنسيقي بتاريخ 10 جانفي، أهمها انعدام رخص بناء رسمية، إنجاز 8 عمارات عالية مكونة من 10 إلى 13 طابقا وسط تجمعات سكانية تحجب الرؤية على السكان الأصليين، وكذا عدم احترام معايير البناء، علاوة على تعريض حياة الأشخاص إلى الخطر الحقيقي.
كما وقفت اللجنة على تجاوزات أخرى لا تقل خطورة عن سابقاتها، تخص توظيف سري لرعايا أجانب من دون تصريح أو ترخيص، مع تسييج الورشات السرية بشبابيك حديدية للحيلولة من دون خضوع الأبراج السرية “الشاهقة” إلى مراقبة رسمية، كما تم الوقوف على تجاوزات أخرى، تتعلق بالاستيلاء والاستغلال غير القانوني للأرصفة ووضع مواد البناء في الطريق العام.
وتمخض عن هذه الحملات الفجائية بالتنسيق مع قوات الشرطة في وهران، تجميد رخص بناء ونزع الشبابيك الحديدية العشوائية في جميع الترقيات العقارية، مع تحرير ممر رئيسي هام على مستوى محور دوران “الشيراتون” وكذا تحرير الأرصفة من مواد البناء ومصادرة السلع ومواد البناء المتواجدة في الرصيف والطريق العام، ليتم الإعلان عن مباشرة إجراءات قضائية في حق أرباب الترقيات العقارية غير الشرعية.
وكان والي وهران قابل المرقين العقاريين المعتمدين في التاسع جانفي، أي قبل يوم من مباشرة حملة مراقبة أنشطة الترقية العقارية، وتعرض الوالي لجملة التجاوزات أهمها، ممارسة العمل الترقوي بدون رخصة، واستغلال الثغرات القانونية لإنشاء بنايات بصيغ مختلفة، داعيا إياهم إلى التبليغ عن الأنشطة العقارية خارج القانون، وتبني الشفافية في إنجاز مشاريع السكن.
وسيلة للربح السريع
وتأتي هذه الحملات الواسعة في عاصمة غرب البلاد، امتدادا لتحقيقات واسعة في ولايات أخرى على غرار سيدي بلعباس، غليزان، مستغانم، البليدة، قسنطينة، باتنة، سطيف، جيجل، عنابة، وتخص العديد من رجال المال الذين اتخذوا من نشاط الترقية العقارية، وسيلة للربح السريع، حيث تشترك كافة الجهات ممثلة في أملاك الدولة، الحفظ العقاري، السكن، البناء والتعمير والمصالح الأمنية، في هذه التحقيقات التي تستهدف ترقيات عقارية عشوائية تم تشييدها في المدة الأخيرة في أحياء شعبية في المدن الكبرى، من خلال تحول سكنات فردية إلى عمارات “فخمة”، سلبت الطابع العمراني الحضاري وشوّهته.
كما يجري التحقيق في شهادات المطابقة ودور بعض المصالح الإدارية في تمرير الملفات وتسويتها، ناهيك عن كيفية حصول النافذين على رخص أشغال كانت محل تحفظ من المصالح التقنية، حيث تبين أن بعض المواقع في الجزائر، لا يمكن البناء فوقها، لأنها غير مقاومة للزلازل، كما أن باطنها عبارة عن “مخزون هيدروليجي”، وهو ما عرض الكثير من المنشآت والمباني إلى تشققات وتصدعات برغم حداثة إنجازها.
ومعلوم أن وزير الداخلية والجماعات المحلية كان أبرق تعليمة إلى ولاة الجمهورية ووزير السكن تحت رقم 2821/2021، بخصوص ظاهرة انتشار الترقيات العقارية، تأمرهم بمواجهة هذه الظاهرة والتحقيق في خلفياتها وفرض القانون على الجميع، لوضع حد لانتشار الترقيات العقارية التي غالبا ما تكون وليدة أنشطة غير مشروعة لاسيما تبييض الأموال والتملص من دفع الجباية.
وحثت التعليمة الجميع على تبني دراسات حديثة ومتينة الأسس لتجديد وتوسيع المحيطات العمرانية على مدى 5 و10 و15 سنة، مع مراعاة التفاصيل التي من شأنها ضمان الانسجام المعماري للمنطقة المدروسة، مع تخصيص مناطق للمرقين العقاريين عند إنشاء المدن الجديدة أو عند توسيع المدن الحالية، ودراسة سبل ووسائل تحسين استغلال الأوعية مع تخصيص رسوم على شكل مساهمات في عمليات توسع البنى التحتية والتجهيزات العمومية.