الجزائر
من بينها فرق حمل الأثاث وتركيبه وتزيين الشرفات

مشاريع السكن الكبرى تبعث عديد المهن من العدم

س. ر
  • 617
  • 0
ح.م
تعبيرية

من بين المشاريع الكبرى التي تعرفها الجزائر في السنوات الأخيرة، بكثافة غير مسبوقة، هي مشاريع إنجاز السكنات، التي أفرزت مهنا وحرفا جديدة، بعضها لم تكن موجودة إطلاقا في الجزائر، والبعض الآخر انتعشت بشكل غير مسبوق وتطورت بلمسات حديثة، بل توجد شركات نشأت على وقع هذه المشاريع السكنية الكبرى المزروعة في كل ولايات الوطن من دون استثناء، وما زاد في وهجها هو تحوّلها إلى مواقع التواصل الاجتماعي بين الإشهار وعرض الخدمات بالصورة والصوت والفيديوهات الناطقة.
فإضافة إلى انتعاش مهنة السباكة والحديد والطلاء والنجارة والرخام والجبس ومهن البنّاء بقوة، مع كل ساكن جديد، فإن من المهن الجديدة هي عرض مركبي الكاميرات والمنبهات “الأجراس”، التي تندلع أصواتها كلما اقترب شخص غريب ولمس باب المسكن في غياب أصحابه.

مؤسسات لشحن وتركيب الأثاث
المدينة الجديدة علي منجلي بولاية قسنطينة، مثال على ثورة سكنية، حوّلت فراغ المكان إلى أكبر تجمع سكاني جديد في الجزائر، بتعداد سكاني قارب المليون نسمة، وظهرت محلات جديدة موازاة مع ظهور صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تعرض خدمات شحن ونقل الأثاث من البيت القديم إلى المسكن الجديد، مع ضمان تركيب الأثاث ووضعه سليما من الخدوش في مكانه الجديد.
يقول عبد القهار، وهو صاحب مؤسسة صغيرة لنقل الأثاث وحمل متاع المنزل من مكان إلى آخر: “كنت صاحب شاحنة أشتغل في نقل البضائع قرب سوق الجملة للخضر والفواكه بالمنطقة الصناعية بالما بقسنطينة، ومع ظهور المدينة الجديدة علي منجلي، وجدت نفسي أشتغل يوميا مع المتنقلين إلى سكنات جديدة، ومع تواصل العمل، راودتني فكرة إنشاء شركة مصغرة، يوجد بها حاليا سبعة عمال شباب يساعدونني ولا نشتكي البطالة أبدا”.
يتلقى عبد القهار طلب المساعدة عبر الأنترنت أو الهاتف، فيطرح على طالبه أو زبونه بعض الأسئلة التي تخص العنوان من المنزل القديم إلى الحديث، والطابق المعني في العمارة بالتنقل من البيت الأول إلى الثاني وإن كان هناك مصعد يساعد فريق العمل، وكمية المتاع وحالته، لأجل تحديد السعر المطلوب في العملية، وتوفر شركة عبد القهار للزبون “كارتونات” ورقية وكل ما يساعد على تعليب قطع الأثاث والأواني الأخرى لنقلها بسهولة ومن دون تكسير محتمل.
في شركة عبد القهار، يوجد نجار وكهربائي، حيث يتكفل كل واحد بعمله سواء في تفكيك الخزانات وبقية الأثاث، أو وضع الأشياء في أماكنها مع تفكيك الثريات وتركيبها، ونقل الأثاث عبر شاحنة كبيرة، مع الحرص على أن لا تحدث خدوشات في الأثاث أثناء نقله من مكان إلى آخر.
ويشرح سامي، وهو يعمل في نفس المؤسسة الصغيرة: “هناك عائلات لا يوجد ضمن طاقمها فتيان وشباب، لأجل ذلك يتصلون بنا، فنعفيهم من الكثير من المتاعب، وطبعا نحصل على الأتعاب”.
وربما احتاج صاحب البيت أو الزبون إلى أعمال تخص الكهرباء والأنترنت، فيجد في الطاقم من يقدم له الخدمة، فيجد الزبون راحته، ويسكن في أقرب وقت ممكن.
مع تراجع مهنة تركيب صحون “البارابول”، حتى تكاد تنقرض، انتعشت مهنة تركيب المكيّفات، حيث صار في كل منزل مكيّف وأحيانا أكثر، ويفضّل صاحب البيت الجديد تركيب المكيّف في نفس زمن انتقاله إلى بيته الجديد.

تنسيق بين الحرفيين
كل مؤسسة أو شاب في حرفة ما، يبقى على علاقة ببقية الحرف لأجل مساعدة زبونه وأصدقائه أيضا، فالمكيّفات صارت مع التغيرات المناخية الأخيرة ضرورية وأحيانا نجد في كل منزل أكثر من مكيّف واحد وربما مكيّف في كل غرفة، لأجل ذلك، تخصصت مؤسسات صغيرة ليس في تركيب المكيّفات فقط، وإنما أيضا في إصلاحها بفريق مختص يظهر بهندامه وببطاقات الزيارة وخاصة على الصفحات “الفايس بوكية”، وهو يعرض خدماته التي تلقى استجابة عريضة من الزبائن وتشكل ضغطا على هؤلاء الشباب المهني.
يحدث هذا في الوقت الذي تزدهر بقية المهن من تبليط لأرضيات المنازل وطلاء وتزيين بالأضواء وأعمال الكهرباء، وتظهر تشكيلات تزيين جديدة حسب ما هو موجود في العالم ومن بلاد مختلفة من تايوان والصين وتركيا ولبنان.
يقول ياسر، وهو شاب من فناني الطلاء العصري، أنه يأخذ درسا عن بعد في فن الطلاء الحديث، تعلم اللغة الإنجليزية خصيصا لأجل تعلم المهنة، ويدفع بالعملة الصعبة لبعض المواقع المختصة في إسبانيا والتي تقدم له كل جديد: “صرت أعرف مكونات علب الطلاء الموجودة في السوق وحتى مخاطرها على الصحة، وكلما تقدّم مني زبون لأجل خدمة، كلما طوّرت نفسي أكثر”.
ويراهن ياسر، وهو شاب في الثلاثين من العمر، على أن الناس صارت تفرّق بين من يقدم العمل الجيّد، والمتقن، وبين من لا يمتلك الخبرة ولا المهنية ولا الذوق، ويصرّ ياسر بالاتفاق مع زبونه بأن يقدم صورا للبيت وجدرانه قبل الطلاء، وبعده، على صفحته بالصور والفيديوهات ولسان حاله: “خدمتي تهدر عليا”.
الخوف من السرقات والتي تقع فعلا في العمارات الجديدة وفي المدن الحديثة على وجه الخصوص بكثرة، جعلت تأمين المساكن ضرورة ومطلب المواطنين، الذين استفادوا من سكنات جديدة بمختلف الصيغ وصاروا يجتهدون لحفظها من لصوص الليل والنهار.
المنبهات أو الأجراس التي تندلع بمجرد محاولة التسلل إلى المسكن شاعت في الفترة الأخيرة، وبالرغم من أن عملية تركيب الجهاز لا يقل سعرها عن مليوني سنتيم، إلا أنها مطلوبة لتفادي السرقة بالرغم مما فيها من إحراج للجيران في حال اندلاع صافرات التنبيه وعدم توقفها لفترة طويلة.

طيور وورود لتزيين الشرفات
اللمسة الفنية أيضا وجدت مكانها في بعض العمارات الحديثة التي ظهرت في العديد من الأحياء الراقية، وقد تقوم جمعية الحي بانتداب مزارعين أو بنّائين، لأجل عمليات غرس أشجار تسر الناظرين، وعمليات تزيين كبرى من أحواض ومزهريات وألعاب للأطفال وسياج يُحصّن الحي الجديد ويجعله آمنا، يشرف عليها حرفيون، لكن مطالب السكان الفردية هي من تنعش هذه المهن، حيث ظهرت مؤسسات ناشئة تقوم بضمان زينة فريدة للشرفات، تجعل ساكن الشقة وكأنه على تخوم مزرعة أو حديقة غنّاء.
صاحب مؤسسة اختار على مواقع التواصل الاجتماعي شعارا يجذب به الزبائن بعنوان “حديقة كبيرة في بيت صغير” مع نشر نماذج كثيرة لما سيجعل عليه شرفة الشقة. يقول نادر: “أخذت الفكرة خلال زيارة سابقة إلى اسطنبول، وعرفت أن بعض السوريين اجتهدوا في هذه الحرفة، فجربت في بيتي وبيت شقيقتي ونجحت الفكرة، فغامرت بالتوقف عن العمل في إحدى المؤسسات الخاصة، وخضت التجربة بنجاح”.
يقول نادر أن لديه 18 نموذجا يقدمها لصاحب البيت، والزبون يختار، فهو من يوفر المزهريات والتي يتباين عددها من عشرة إلى عشرين، ثم يختار الورود والشجيرات، مع منحه خارطة عمل من سقي وتقليم دقيقة يجب أن يطبقها على مدار ستة أشهر، ليتحول بيته إلى جنة، على حدّ تعبير نادر، مع المتابعة عن بعد أو عن قرب إن أراد صاحب البيت.
الأضواء المختلفة والملونة دخلت عالم التزيين بقوة، حتى وإن كان تواجدها لم يعد مقتصرا على الشرفات بل وصل إلى أروقة البيت، وفي الغرف نفسها، كما امتهن بعض الشباب صناعة “الأكواريوم” في قلب الشرفات والمساكن لتربية أسماك الزينة وحتى أقفاص الطيور بأشكالها، وهنا تصبح كلمة حديقة على وزنها الحقيقي.
وفي كل هذه الأعمال تنتصر الصورة والفيديو بقوة، وهو ما جعل أصحاب هذه الحرف الجديدة يستقرون ويطوّرون من أعمالهم كما هو حاصل في عالم الطلاء، حيث أنعشت هذه المهن تجارة الطلاء، إذ كانت في زمن سابق، كل مدينة بها عدد لا يزيد عن أصابع اليد لبائعي مختلف أنواع الطلاء، ولكنها الآن صارت تباع في مساحات تجارية كبرى مخصصة لها وفي كل مكان، حيث نجد كميات من السلع المحلية والقادمة من جنوب القارة الأوروبية وآسيا، مع المجسدين لها من “صباغين” من الطراز الفريد، يرسمون بها أحلى اللوحات في البيت الصغير الواحد.

وللزبون رأي.. وآراء
ليس كل ما يلمع ذهبا، ليس ما يراه الزبون في صور وفي فيديوهات، سيجده مجسدا في بيته من مكالمة هاتفية وحضور لأهل المؤسسة.
يقول رئيس جمعية “الأمل” في وحدة جوارية بالمدينة الجديدة علي منجلي: “سلمنا لصاحب مؤسسة صغيرة مساحة شاغرة من أجل أن يغرس لنا أشجارا وألعابا خاصة بالأطفال تضيف لما هو موجود في الحي، ولكنه للأسف اختار من الألعاب البالية وسريعة الانكسار ومن الأشجار من لم تزد سنتيمترا واحدا منذ أن غرسها في سنة 2022″، يتأسف رئيس الجمعية ويتمنى أن تكون هناك مراقبة خاصة على هذه المؤسسات التي تنشط على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ينفي أن يكون صاحب المؤسسة محتالا، ولكنه يصرّ على أنه ليس أهلا للمهنة ولا يمتلك فيها حرفية ولا خبرة.
لكن غالبية المواطنين صاروا مقتنعين بأن التنقل من بيت قديم إلى بيت جديد يستنزف صحة أهل الدار، وصرف مبلغ مالي يُمنح لحرفيين لهم إمكانات جسمانية ومادية تتمثل في مركبات خاصة وسريعة في التنفيذ والتركيب، سيمنح لصاحب الدار راحة وطمأنينة على أشيائه، أما الأمور الخاصة بالنجارة والجبس والتبليط وغيرها، فإن تكفل صاحب البيت بالقيام بها يعتبر “بريكولاج”، على حد تعبير أحد المواطنين.
وقد صار الاتصال بالحرفي أو عارض الخدمة عبر الأنترنت أو الهاتف، وبعد تبادل للآراء والأفكار، يتم تحديد موعد بداية العمل مع كل زبون بالنموذج الذي سيجده مع نهاية العمل، وفي الغالب، فإنه يساير مراحل العمل وقد يتكفل بشراء السلعة واختيارها بنفسه وهو ما يجعل المؤسسة بريئة من أي عطب وأو فشل في عملها.
وتعترف مصادر من مديرية التجارة ومن مصلحة السجلات التجارية، بأن هذه المهن الجديدة والتي لها منصات إلكترونية مازالت غير منسجمة مع القوانين الجديدة التي هي في خدمة أصحابها لو حصلوا على سجلات تجارية، ونشطوا كمؤسسات ناشئة فعلا ضمن القوانين المعمول بها، ومعلوم منذ عقود بأن مهنة “البنّاء” أو “السبّاك”، من زمان، هي أبعد الحرف عن مصالح التجارة لكون ممتهنيها ليسوا مختصين فيها بالضرورة كون لديهم مهن أخرى، ويجعلونها عملا “زيادة”، كما يقال.
كلما أطلقت الحكومة مشاريع سكنية بمختلف الصيغ، وكلما بشّر وزير السكن بعمليات بناء ضخمة هنا هناك، كلما “ضخت” هذه المشاريع فرصا أخرى لا تعد ولا تحصى لتشغيل الشباب.

مقالات ذات صلة