الرأي

مشروع تهجير شمال غزة والاستيطان

لؤي صوالحة
  • 217
  • 0

يشهد شمال قطاع غزة هذه الأيام مشاهد من القتل والتدمير لم يعرف لها مثيل منذ النكبة، إذ تتعرض هذه المنطقة لحملة إسرائيلية شرسة تهدف إلى تفريغها من سكانها، في خطوة تعكس مسعى الاحتلال لفرض السيطرة الكاملة وتحقيق أهدافه الاستيطانية. مجازر مروّعة تطال الأحياء السكنية، وقصفٌ عشوائي يستهدف المستشفيات والمدارس والملاجئ، في مشهد يعكس سياسة إسرائيلية متكاملة هدفها الأساسي تهجير السكان وخلق واقع جديد يخدم مشروعا استيطانيا طويل الأمد. وبهذا، تبرز ضرورة تحليل أبعاد هذه الهجمة وأدواتها وأساليب مقاومتها.

يستغل الاحتلال الإسرائيلي الظرف الإنساني القاسي في شمال غزة ويضاعف من وطأته من خلال هجمات مستمرة تستهدف البنية التحتية الحيوية، لاسيما المرافق الطبية التي كان لها دورٌ حيوي في دعم السكان وصمودهم أمام الحصار المتواصل. هذه الاستراتيجية تعكس اعتماد الاحتلال على نهج ممنهج يمزج بين العنف العسكري والضغط النفسي، ما يجعل الحياة اليومية مستحيلة، ويسعى إلى إضعاف الروح الوطنية واستنزاف قدرة المجتمع على الصمود.

ويُعدّ ضرب المؤسسات الصحية وتعطيل عملها مثالا صارخا على استهداف كل ما يربط سكان القطاع بأرضهم، في محاولة متعمدة لخلق حالة من الخوف واليأس. لقد استهدفت الهجمات الإسرائيلية الأخيرة مستشفى “القدس” والمرافق الصحية الأخرى، ما جعل السكان يعيشون تحت تهديد مستمر ودفعهم للتفكير في النزوح. هذه السياسات تأتي في إطار محاولة الاحتلال تحطيم المعنويات وضرب الكيان المجتمعي للقطاع، في خطوة تهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي للمنطقة وفرض واقع استيطاني يُبعد السكان الفلسطينيين عن أرضهم قسرا.

ولا يتوقف الاحتلال عند ممارسة العنف المباشر، بل يعتمد أيضا على منظومة من الأدوات الإعلامية والسياسية، إذ يصوّر غزة أمام العالم كمصدر “تهديد أمني” بهدف كسب دعم دولي لسياساته العدوانية. هذه الدعاية تتضمّن تشويه صورة سكان القطاع وإظهارهم كخطر دائم، ما يتيح للاحتلال تبرير سياسات التهجير والاستيطان وكسب تعاطف عالمي ضمني. هذا النهج الإعلامي يسهم في إخفاء الانتهاكات الجسيمة التي ترتكب بحق المدنيين، ويتيح للاحتلال خلق بيئة مؤاتية للسيطرة على المنطقة وتحقيق طموحاته الاستيطانية من دون مساءلة.

ويُتوقع أن يلجأ الاحتلال إلى تصعيد عسكري أكبر، مع استهدافات أوسع للبنية التحتية والمدنية في شمال غزة، ما يجعل الحياة شبه مستحيلة ويزيد من الضغوط على السكان لدفعهم إلى الهجرة القسرية. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يستخدم الاحتلال التحالفات السياسية والضغوط الاقتصادية لتفكيك النسيج الاجتماعي وتعزيز الانقسامات الداخلية، ما يسهّل عليه التوسع الاستيطاني وفرض السيطرة على مزيد من الأراضي، وهو ما يمثل تهديدا حقيقيا للتماسك المجتمعي الفلسطيني.

أحد السيناريوهات الأكثر خطورة في هذا السياق يتمثل في إقامة “جيب استيطاني” في شمال غزة، يفصل القطاع عن الأراضي المحتلة ويفرض واقعا جديدا يجعل غزة “جزيرة” معزولة ومحاصرة بين المستوطنات والبحر، ما يقطع التواصل الجغرافي ويحد من قدرة السكان على الوصول إلى الموارد الضرورية. هذا المخطط ليس مجرد تهديد؛ بل هو أداة لخنق القطاع وتطويقه، وضمان سيطرة الاحتلال الكاملة.

مواجهة هذا المخطط تتطلّب إستراتيجية مقاومة متكاملة تجمع بين الوعي المجتمعي والحراك الشعبي. ويجب استخدام وسائل الإعلام لنقل حقيقة المجازر والانتهاكات أمام العالم وفضح السياسة الاستيطانية التي تستهدف شمال غزة. إنّ تعزيز الدعم الدولي هو عامل حيوي في إبراز معاناة القطاع ومواجهة الدعاية الإسرائيلية، ما يجعل من المهم توحيد الجهود لإفشال مخططات الاحتلال.

أحد السيناريوهات الأكثر خطورة في هذا السياق يتمثل في إقامة “جيب استيطاني” في شمال غزة، يفصل القطاع عن الأراضي المحتلة ويفرض واقعا جديدا يجعل غزة “جزيرة” معزولة ومحاصرة بين المستوطنات والبحر، ما يقطع التواصل الجغرافي ويحد من قدرة السكان على الوصول إلى الموارد الضرورية.

على المستوى العملي، تبرز الحاجة إلى تعزيز مقاومة شاملة تشمل أبعادا متعددة، مثل المقاومة الشعبية والاقتصادية والقانونية، بهدف خلق جبهة متماسكة قادرة على الصمود. ويجب توجيه رسائل قوية إلى المجتمع الدولي للضغط على الاحتلال ووقف دعمه لمخططات الاستيطان، بما في ذلك تقديم شكاوى أمام المحاكم الدولية حول جرائم التهجير.

من الضروري أيضا التركيز على العامل النفسي الذي يستهدفه الاحتلال عبر زرع الخوف واليأس. لذا، يجب تكثيف الجهود لدعم المجتمع المحلي وتعزيز إرادة الصمود من خلال برامج توعية ودعم نفسي، بهدف بناء مجتمع قادر على مواجهة الضغوط والسياسات الإسرائيلية.

ختاما، إن مشروع تهجير شمال غزة يمثل تهديدا وجوديا يستدعي وقفة وطنية جادة، وتضافر الجهود لمواجهة المخاطر المحدقة، وتأكيد أن غزة، برمزيتها النضالية، لن تخضع لمخططات الاحتلال، وستبقى عصية على التهجير والاستيطان.

مقالات ذات صلة