منوعات
صحفي يتقمص شخصية بائع متجول ويقف على المفاجأة

مشروع “ملياردير”… رأسماله عربة بيض

الشروق أونلاين
  • 58375
  • 67
مكتب سطيف
صحفي الشروق يمارس البيع المتنقل

فضلنا هذه المرة أن نلج عالم الباعة والتجار المتجولين، من باب التقمص والمعايشة الميدانية لهذا النشاط، الذي له أدبياته وإيجابياته وسلبياته، وله في كل زاوية حكاية يغوص فيها البائع، فيدفعنا الى التساؤل عن حيثيات هذا النشاط الذي تغافلت عنه الدولة في السابق، ولما تفطنت له وجدته متجذرا من الصعب استئصاله، لما له من خلفيات وسوابق فرضها الوضع العام للبلد.

كان علينا في البداية ان نغير الهندام ونقتني كمية من البيض، ووضعها في عربة للتجول بها في شوارع وأزقة مدينة سطيف. وقبل الشروع في العمل، كان علينا أن نجري عملية حسابية لضبط المصاريف والمداخيل، فوجدنا ان المعادلة نظريا تبدو مربحة ،لأننا اشترينا البيض بـ7 دج للحبة وعلينا ان نبيعه بـ9 دج، أي بفائدة قدرها ديناران في الحبة، والتي تعادل 60 دج في الصفيحة، واذا تمكنا من بيع 50 صفيحة فهذا يعني ان الفائدة ستصل الى 3000 دج في اليوم، واذا استمر الوضع على هذه الوتيرة، فسيصل المدخول الشهري إلى 9 ملايين سنتيم، مما يعني ان مهنة بيع البيض أفضل بكثير ممن مهنة الموظف والمعلم ومدير الشركة وعدد هائل من المسؤولين العاملين في القطاع العام والخاص. فالحكاية التي تبدأ بـ 2 دج تنتهي بثروة لا يعلم قيمتها الى ذلك البائع الذي يجوب الشوارع والأحياء، ويتحمل مشقة التنقل بين الأزقة مهما كانت الظروف والتبعات .

.

البيضة بـ9 دج والحسَابة تحسب لصالح أثرياء الشوارع

وحتى بائع الجملة الذي اقتنينا من عنده البيض، شجعنا على ممارسة هذه التجارة لانها مربحة وافضل بكثير من أي نشاط آخر. دون تردد شرعنا في العمل بعربة بها 50 صفيحة بيض والبيضة بـ 9 دج، والحسابة تحسب، والبداية كانت حي 500 مسكن بسطيف، الذي توجد به محلات بيع البيض بالجملة، وهنا واجهنا أول مشكلة، لأننا حاولنا بيع الماء في حارة السقايين. فبمجرد أن توقفنا بالعربة قرب محل لبيع البيض، بدأت النظرات المدققة تتجه نحونا، ولما بدأنا في عرض البضاعة على المارة اقترب منا صاحب المحل وطلب منا مغادرة المكان على الفور، ولما تساءلنا عن السبب أجابنا بلجهة شديدة، بأنه لا يمكننا البيع في هذا المكان والأمر لا يحتاج الى نقاش. وفهمنا من تصرف هذا البائع ان بعض التجار ينفرون من زملائهم في الحرفة، وينظرون اليهم نظرة العدو، ولهم في ذلك مقولة مشهورة يرددونها فيقولون: اسأل عن عدوك تجده صاحب صنعتك. حديثنا مع هذا البائع ساقنا الى طرح اشكالية تجمع التجار في مكان: واحد هل هي نعمة ام نقمة؟ البعض يرى ان انفراد التاجر بمنطقة معينة وتغطيته لحي سكني دون منافسة تسمح له بتحقيق أرباح أكثر، بينما هناك من يرى العكس، أي أن تجمع التجار المختصين في نفس النشاط في مكان يسمح بجلب الزبائن، لأنهم يفضلون التنقل الى المكان المشهور بهذا النشاط، وبالتالي تكون مداخيل التاجر أكثر، خاصة ان الاسعار تصبح معقولة ويتم التركيز على الكمية، والظاهرة بدأت تتأصل في العديد من المناطق، كما هو الشأن مع باعة قطع الغيار في تاجنانت وعين مليلة، وتجار المواد الغذائية بالجملة بحي الباطوار بسطيف. لكن هذا التصور يرفضه الصيادلة الذين يفضلون كل صيدلي ينفرد بمنطقة سكنية، ويشترطون ان لا تكون المسافة بين صيدلي وزميله اقل من 200 متر.

.

بيض تحت الشمس أحسن من الموجود في الثلاجات

ابتعدنا عن التجار ودخلنا حي الهضاب، وهنا بدأنا نمارس نشاطنا كأي بائع متجول. وكنا مطالبين بالصراخ لنعلم السكان ببضاعتنا، ورغم ان الصراخ كان مزعجا، إلا أننا لم نسجل أي احتجاج، ويبدو ان السكان بهذا الحي مسالمون، أو ربما اعتادوا على مثل هذا التصرفات. وبمجرد أن توسطنا الحي اقترب منا رب عائلة فسأل عن السعر واشترى منا صفيحة دون تردد، ثم التحق به جاره واشترى منا 10 بيضات، ومن خلال حديثنا مع الثاني أكد لنا بأنه يفضل الباعة المتجولين، لانهم يأتون اليه ويكفونه شر التنقل الى المحلات والبحث عن البضاعة. زبون ثالث اقترب منا وهو شيخ في الستين، سأل السعر ثم راح يقلب البضاعة ولم يتردد في اختيار الحبات الكبيرة وانتقائها من مختلف الصفائح، فاعترضنا على تصرفه ودخلنا معه في خلاف، لكن في نهاية المطاف رضي بالامر الواقع واقتنى 15 حبة بيض، رغم صغر الحجم، وهو الامر الذي فرضناه على بقية الزبائن، فالناس هنا يشترون لأن السعر يغريهم، ولا يهتمون بالجودة، ويبدو أنها القاعدة التي شجعت على انتشار الباعة المتجولين، الذين يكفيهم أن يخفضوا السعر ولو بدينار واحد ليسطروا على عقول الزبائن، ولا تهمهم نوعية البضاعة.

وحسب ما رواه لنا أحد الزبائن القدرة الشرائية انخفضت كثيرا، ولم يعد الموظف والعامل البسيط قادرا على مواكبة الاسعار الملتهبة، وبالتالي يلجأ الى الخردة التي تباع بأسعار أقل، والمهم انه لما يدخل الى البيت يظهر بأنه دخل على الأهل بقفة مملوءة.

.

وراء كل بائع متجول حكاية

عندما بلغنا الحي المجاور وتوسطنا العمارات، بدا لنا وكأننا دخلنا جناحا نسويا، فكل الزبائن من فئة النساء، وكلما تفقدت عمارة تجد امرأة تطل عبر الشرفة أو النافذة، ويتبين لك أن أغلبية الجزائريات يفضلن المكوث في البيت، وهو ربما السبب الذي صعب مهمة الأحزاب في ترشيح المرأة للانتخابات المحلية. فالجولة بين العمارات تجعلك تكتشف بأن البيت هو المكان الطبيعي للمرأة، ويبدو أن البائع المتجول هو المرشح الأكبر لتأكيد هذه الحقيقة، بل ان كثرة احتكاكه بالمنازل والعمارات أكسبه مهارة التعامل مع النساء، وأضحى كالطبيب الناصح الذي يفهم ذهنية الجنس اللطيف. فهنا تتاح له فرصة الالتقاء بالعازبة والمتزوجة والأرملة والعانس، ولكل واحدة حكاية وطريقتها في التصرف. والغريب ان هناك امرأة راحت تحكي لنا قصة حياتها، وخلافها مع حماتها وأخت زوجها، فدخلت في أدق التفاضيل وصورت لنا يومياتها في اللحظات التي اشترت فيها ستة بيضات. ويؤكد لنا أحدهم ان هناك تاجرا متجولا سمحت له مهنته بالتعرف على فتاة كانت زبونة عنده فتزوجها، وكون معها أسرة وأنجبت له أولادا، لكنه منذ ان تزوج اختفى من الحي، ويبدو أنه غير الحرفة أو منعته زوجته من ممارستها.

التعامل مع القاطنين في العمارات صعب الى حد ما، ويتطلب نوعا من الصبر، لأن التفاوض يتم عبر الشرفات، وعليك بعدها الانتظار من ستنزل إليك أو ترسل واحدا من أبنائها. وجلبت انتباهنا امرأة لا زالت تتعامل بالقفة والحبل، وهي الطريقة المثلى لربات البيوت لاقتناء حاجياتهن، حيث نادتنا إحداهن من الطابق الرابع، وبمجرد ان سألت عن السعر انزلت الدراهم في قفة موصولة بحبل، وطلبت منا ان نملأها بـ30 حبة بيض، وبعدما أنهينا المهمة وضعنا لها الباقي بنفس الطريقة، وسحبت القفة باتقان، يبين أن المرأة معتادة على هذا العمل ولها خبرة في الميدان.

صعوبة مهمة البائع المتجول تكمن في التعامل مع كل الذهنيات، وتحمُل أفكار الغير مهما كان نوعها، كما وجدنا صعوبة في إرجاع المال المتبقي، وهو الأمر الذي تحول الى ظاهرة، وينبغيى الاعتراف ان البلد فيها أزمة عمولة، وكل التعاملات التجارية تكاد تتعقد بسبب هذا المشكل، الذي من المفروض ان يدرس من طرف اهل الاختصاص. لأن الفترة التي قضيناها في البحث عن العمولة الرقيقة (الصرف) تكاد تعادل فترة العمل. كما واجهنا أيضا مشكلا مع الورقة النقدية 200 دج، التي اضحت وثيقة غير قابلة للتداول، وكانت سببا في خلافنا مع أحد الزبائن الذي رفض أن يأخذها منا لانها ممزقة، وحتى القطعة الحديدية الجديدة لـ 200 دج مرفوضة لدى أغلبية الجزائرين، لأنهم لا يفرقونها عن قطعة 20 دج، وبالتالي ينفرون منها ويحاولون التخلص منها مهما كان الحال.

.

الزبائن طيبون.. ولكنها الطيبة التي تشجع الفوضى

غيرنا المكان وكنا ننوي مواصلة العمل الى ما بعد الزوال، لكن لما التف حولنا بعض الزبائن تزامن ذلك مع مرور سيارة الشرطة التي توقفت أمامنا، وسألنا الشرطي عمن سمح لنا بالبيع في هذا المكان؟ فقلنا له لا توجد جهة معينة، لكن الحاجة هي التي دفعتنا الى ذلك، كما أنهم اغلقوا كل الاسواق فأين نذهب؟ فنطق شرطي آخر وقال حتى هذه تجارة فوضوية، وبإمكان أن نحجز بضاعتك، وبعد أخذ ورد لم يأخذوا البضاعة، لكنهم اشترطوا علينا مغادرة المكان والتوقف عن البيع. فانسحبنا في هدوء وفضلنا عدم مواصلة المغامرة.

الناس الذين تعاملنا معهم طيبون على العموم، لكن إذا بحثنا في أسباب انتشار التجارة الفوضوية نجد أن الزبون متواطئ، ويتحمل مسؤولية الفوضى بدرجة كبيرة، فقد لاحظنا خلال جولتنا انه يرضى بأي شيء، والمهم بالنسبة إليه السعر منخفض، وحتى إن كان المنتوج رديئا يقبل به، كما أنه يشتري دون مراعاة الشروط الصحية، فنحن كنا نعرض عليهم بيضا وضع تحت حرارة الشمس لمدة طويلة، بل يكاد يتحول الى بيض مسلوق، مع العلم ان حجمه صغير، ورغم ذلك كان الاقبال عليه بشغف.

الزبائن طيبون وأعوان الشرطة التي كانت في كل طريق توجه لنا النصيحة من دون تعنيف، وتوجهنا إلى تسجيل اسمائنا في البلدية، لكنها الطيبة التي تشجع الفوضى، وبالنسبة للبائع المتجول الثغرة موجودة والمجال مفتوح لركوب عالم التجارة بالمقلوب، وينبغي الاعتراف ان هذا النشاط فيه ربح يفوق مدخول الموظف والاطار، وهو ما لمسناه بأيدينا وجيوبنا، وهناك من كون ثروة في الخفاء من هذا النشاط، ولذلك احتج الباعة الفوضويون عندما أغلقت أسواقهم، فهم من جانب لهم الحق، لأنهم اعتادوا على هذا النشاط وتجذروا فيه عندما تغافلت الدولة عنهم، وإذا كان الجدل لازال قائما بشأن التجارة الفوضوية والباعة لازالوا يترصدون الفرصة للعودة من جديد، فالمسألة لها بعدها الثقافي والاخلاقي قبل الجانب الردعي، فهل يعقل ان هناك تاجرا له سجل تجاري ويدفع مستحقات الضرائب والكراء، ويتحمل كل الاعباء والتبعات المرتبطة بالمنتوج الذي يسوقه، وفي الجهة الاخرى يأتيه بائع فوضوي لا يسدد الضرائب ولا يدفع أي مستحقات، فيمارس نشاطه بصفة عادية، مع العلم أن الموظف مطالب بتسديد الضرائب، فكيف بالذي يشتري ويبيع يستثنى من هذا الشرط. فالمسألة اضحت مرتبطة بالعدل الذي تقوم عليه الشرائع، كما أن ديننا الحنيف نص على عدم الغش وتنظيم المعاملات التجارية ومراقبتها، والمعلوم أن عمر بن الخطاب هو الذي قنن لمهنة التفتيش، وكلف امرأة بمراقبة السوق. فلو كان عمر بيننا لقضى دون شك على التجارة الفوضوية خاصة المغشوشة منها، ومن أراد أن يحاربها في الوقت الحالي فعليه أن يقنع الزبون قبل البائع، لأن التجارة الفوضوية موجودة في الأذهان قبل أن تنزل الى الشوارع والأزقة، والشكر والاعتذار للذين اشتروا من عندنا بيضا بحجم بيض الحمام.

مقالات ذات صلة