-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مشهدية غلبت إسرائيل إعلاميّا واستخباراتيّا

حسينة بوشيخ
  • 677
  • 0
مشهدية غلبت إسرائيل إعلاميّا واستخباراتيّا

بين كل التصريحات والقراءات لمشهدية تسليم المقاومة الفلسطينية في غزة للمجندات الإسرائيليات الأسيرات، لفتني تغريدة لمخرجة إسرائيلية تدعى عينات فايتسمان قالت فيها “يا للإخراج! الديكورات، الملابس، الإعداد المسرحي، هكذا يجري إخراج الانتصار المطلق..”.
إنّها تغريدة بمثابة اعتراف من فنانة إسرائيلية بانتصار “حماس” في معركة الصورة والدعاية، وهي مخرجة تعي أهمية المشهدية البصرية في عصر شبكات التواصل الاجتماعي.
وبذلك، شهد كثير من الإسرائيليين قبل غيرهم، أنّ “حماس” تفوّقت في توظيف كل العناصر الدرامية والدعائية الممكنة في مسلسل صراعها الطويل والمرير مع إسرائيل ومن خلفها الصهيونية، التي لم تنس وسط تلك المشهدية، أن تخاطبها وتستفزها بشعار كتب بحروف عبرية “الصهيونية لن تنتصر”.
وبالفعل، فوق منصة التسليم تزاحمت التفاصيل بكل سيّاقاتها المحيطة، وجرى العرض المسرحي، فكان المشهد حماسيا قسّاميا بامتياز.. الديكور الواسع المفتوح على الفضاء المؤثّث بالأبنية المقصوفة، التي خرج من بين أطلالها ورمادها آلاف الناس والجنود، شباب يضجّون حياة وأملا، تعلن عنه الابتسامات والقهقهات العالية في صور “السلفي”، السيارات الرباعية الدفع الأنيقة كأنها خرجت للتو من معرض، شباب النخبة من “سرايا القدس” و”القسّام” بقاماتهم الفارعة وزيّهم العسكري ونظاراتهم السوداء، فلا ثغرة لرصد ملامحهم.. أسلحتهم المرفوعة وبنادق “تافور” الإسرائيلية التي يبدو أنهم غنموها غداة عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر.
هي مشهدية أصابت المواطن الإسرائيلي، قبل العسكري وقبل الصّحافيين والمحلّلين السياسيين ومن يدور في فلكهم بالصدمة، فكانت أكثر تدوينة انتشرت على حساباتهم إثر عملية التسليم الأولى ثم الثانية للجنديات بزيهن العسكري: أين كان يختبئ كل هؤلاء الناس؟ من أين خرجوا؟ من أين أتى عناصر المقاومة بسياراتهم وأسلحتهم واستطاعوا أن يظهروا بكل ذلك الزخم الاستعراضي رغم كل أطنان القنابل التي ألقيناها على قطاع غزة؟ حتى أنّ محللا عسكريا تساءل “ما الذي كان يفعله جنودنا طيلة 471 يوم في القطاع الملعون؟”، على حد وصفه، وآخرون تساءلوا إن كان جيشهم، فعلا، قد مكث عاما في محور “نتساريم” حيث دارت معارك طاحنة، إنه بالتأكيد فشل استخباراتي أيضا.
لقد تحوّلت ساحة فلسطين التي أصرت المقاومة على اختيارها لإجراء عملية التسليم إلى موقع درامي عزّز قيمة رسائلها، داعما كل الديكور والرموز والنقوش العبرية وكأنها سينوغرافيا معدّة سلفا تمكّنت من تنسيق الفضاء المسرحي والتحكّم فيه، فاستطاعت أن تقول للإسرائيليين ولكل العالم إنّ هدف القضاء على “حماس” الذي رفعته حكومة نتنياهو شعارا للحرب، قد فشل.

هي مشهدية أصابت المواطن الإسرائيلي، قبل العسكري وقبل الصّحافيين والمحلّلين السياسيين بالصدمة، فكانت أكثر تدوينة انتشرت على حساباتهم إثر عملية التسليم الأولى ثم الثانية للجنديات بزيهن العسكري: أين كان يختبئ كل هؤلاء الناس؟ من أين خرجوا؟ من أين أتى عناصر المقاومة بسياراتهم وأسلحتهم واستطاعوا أن يظهروا بكل ذلك الزخم الاستعراضي رغم كل أطنان القنابل التي ألقيناها على قطاع غزة؟ حتى أنّ محللا عسكريا تساءل “ما الذي كان يفعله جنودنا طيلة 471 يوم في القطاع الملعون؟”، على حد وصفه.

غير أنّ المشاهد الصادمة للإسرائيليين، لم تتوقف عند “مسرحة” عملية التسليم التي قامت بها “حماس”، بل إنها ازدادت قوة وهم يرقبون ملامح المجنّدات ولغة أجسادهن، إذ الأسارير المنبسطة والابتسامات التي تنمّ عن الارتياح والتلويح بالأيدي للجماهير التي لم تبدو في نظرات الأسيرات عدوّا همجيا اختطفهن وعذّبهن أكثر من عام، بل بدت الأسيرات كأنهن ضيفات سيغادرن مستضيفهن بامتنان وحنين!.
ولاكتمال المشهدية الآسرة، ممثل الصليب الأحمر يوقّع وثيقة الاستلام مع عناصر “القسّام” فوق المنصة المزيّنة بعلم فلسطين فقط، وصورة خلفية تحمل عبارة “طوفان الأقصى” وشعارات تؤكد انتصار المقاومة وهزيمة إسرائيل والصهيونية.
ولاشك أننا حينما نجمع طرفي تلك المشهدية نحصل على رسائل قوية نجحت المقاومة في تمريرها لكل العالم، أوّلها أنّ المقاومة ندّ للمحتل في قوتها المعنوية، وأنها ممثل للشعب الفلسطيني على الأقل في غزة، وأنها تتصرف من منطلق قوة الشرعية والإنسانية، لذلك، فهي على عكس الاحتلال الإسرائيلي، لا تعذب الأسرى بل تعاملهم بأخلاق الإسلام وما تنص عليه القوانين والأعراف الدولية، على عكس الكيان الذي يستميت في التعذيب والتنكيل بالفلسطيني أينما كان، لأنه يتصرف من منطلق الضعف وعدم الشرعية، فهو يستخدم القوة المفرطة للحفاظ على ما سلبه ظلما وعدوانا.
ومرة أخرى تتفوّق المقاومة في تمرير الدرس الأخلاقي الذي جعل الداخل الإسرائيلي غير قادر على امتصاص الصدمة وابتلاع الغصة التي شعر بها، فراح يفسّر حالة الأسيرات المفرج عنهن في صفقة التبادل حتى الآن بـ”متلازمة أستوكهولم” التي تتعاطف فيها الضحية مع جلاّدها أو مختطفها.
لقد اعترف الإعلام العبري، أنّ المقاومة استطاعت أن تشعرهم بالهزيمة رغم كل الدمار والقتل الذي أحدثوه في غزة، وأنهم لم يكسبوا تعاطف العالم، بل عرّت وجههم القبيح الملطخ بدماء الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ الذين لاحقوهم بالقصف برا وجوا وبحرا وقتلوهم بأكثر الأسلحة فتكا وتطورا في التاريخ، وبحرق خيامهم.
إنّ عملية تسليم الأسرى، وفق رؤية وترتيب المقاومة، أظهرت فشل القوة المفرطة في إخضاع صاحب الحق والأرض، فما الذي يعنيه قصف خيمة قد لا تساوي بضع دولارات بصاروخ قيمته ملايين كما علّق ناشط أمريكي؟ إنها المفارقة التي عزّزت السقوط الأخلاقي للكيان وكرّست نتائج عكسية لما خطّط له وتصوّره، على الأقل إعلاميا.
قوة التدمير السادية التي مارستها إسرائيل لم تحقّق لها أهدافها، مادام الإنسان الفلسطيني حيا ومتشبّثا بأرضه وقادرا على الانبعاث من بين الأنقاض والرماد وتلك هي الرسالة التي يبدو أنّ قادة الكيان فهموها جيدا، لكن غطرستهم وشهيّتهم للقتل تأبى أن تعترف بذلك، فسارعوا إلى استنساخ فشلهم في مدن الضّفة الغربية، في انتظار استكمال مراحل الاتفاق بين “حماس” والاحتلال.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!