مصانع الجزائر تتحول إلى مغارات للثعابين والجرذان والخفافيش
على طريق جسر قسنطينة الحراش تمتد المنطقة الصناعية على مسافة كيلومترات من جدران منهارة وأبواب حديدية أكلها الصدأ قرب طريق غارق في مياه الأمطار والوحل، تخفي خلفها هياكل صناعية مهجورة مخيفة ومحطمة عن كاملها ، وكأن المنطقة الصناعية التي كانت شعلة الاقتصاد الوطني على مدار ثلاثة عقود من الزمن تحولت إلى منطقة مرعبة تسكنها الاشباح والخفافيش والجردان والمتشردون.
لم نتمكن من زيارة كل المصانع المغلقة بسبب ارتفاع مستوى مياه الأمطار التي أغرقت الطريق الفاصل بين جانبي المنطقة الصناعية بالسمار ولم تتمكن السيارة من المرور، فحاولنا السير على الأقدام غير أن أحد العاملين في شركة صناعة الكوابل الكهربائية وهي شركة لا تحمل الجنسية الجزائرية لأن اللبنانيين من عائلة الحريري اشتروا نسبة منها وأبقوا على ثلة من العمال فيما تم تسريح الباقي، حذرنا من الدخول الى المصانع المهجورة خوفا من الاعتداءات أو ما قد تخفيه في جوفها .
هذا الشيخ الذي كان يرتدي بدلة صناعية زرقاء لحسن حظه أن المالك الجديد للشركة التي كانت في ما مضى أحد الشواهد على الاقتصاد الوطني لم يطرده بل أبقى عليه مع مجموعة من اليد العاملة الجزائرية وفقا لما تم الاتفاق عليه مع الحكومة إرضاء للشريك الاجتماعي، قال لنا إن اللبنانيين يملكون الاغلبية الساحقة في الشركة ونحن مجرد عمال فقط. بجوار مصنع الكوابل، حراس تابعون لشركة أمن خاصة يحرسون مبنى ضخما لا يزال يحمل لافتة الثمانينيات كتب عليها بالطلاء الأسود “المؤسسة الوطنية للعتاد الكهرومنزلي”، هيكل صناعي بقي مهجورا لمدة طويلة مع بداية زوبعة الخوصصة والانهيار الكامل للاقتصاد الوطني والشركات العمومية التي لم تحظى بعروض مناسبة من طرف المستثمرين الخواص، وكانت من الشركات التي “بارت“، فاستفادت منها الشركة الوطنية للتبغ والكبريت عن طريق الايجار أو البيع وحولتها إلى مستودع للمادة الأولية، وتم تبديل صناعة كهرومنزلية كانت توزع العتاد الوطني للشركة “أونيام” بمقر لأطنان من التبغ والكبريت وهي صناعة رائجة ومربحة لأن جل الجزائريين يستهلكون “الشمة” و”الدخان” على حد قول أحد العمال السابقين بالمؤسسة.
أطلال شاهدة على ازدهار الصناعة الجزائرية أواخر القرن الماضي
في نفس الجانب يوجد باب حديدي كبير أزرق مهترئ، يتوسط جدارا منهارا كتب عليه “سونيليك”، وهو ما تبقى من مصنع البطاريات بكل أنواعها وكان إنتاجها يغطي السوق الوطنية طيلة ثلاثة عقود بإنتاج يقارب ربع مليون بطارية لمختلف السيارات في السنة، كانت تشغل حوالي 500 عامل طردوا وتوقفت عن الانتاج سنة 2006، وقد لاحظنا خلف الجدار المنهار مجرد عقار يقوم أحد المستثمرين منذ شهرين بتهيئته، قال لنا أحد الحراس بالقرب منه إن مستثمرا سيحوله إلى مستودع للسيارات الأوروبية المشهورة،
وليس بعيدا عن مصنع البطاريات سابقا، يوجد مقر كبير شبيه بمستودع كان عمال يكدسون فيه الصناديق البلاستيكية لتوزيع المشروبات الغازية ولا تزال اللافتات الأصلية المحطمة تحمل اسم المؤسسة الوطنية للبلاستيك والمطاط وهو فرع لسوناطراك كان مختصا في صناعة العجلات والمطاط والأنابيب، لكن بعد عملية الغلق تم استئجاره من طرف شركة تعمل في مجال “الڤازوز” حولته إلى مستودع لـ”التفريغ”.
عقارات تسيل لعاب المستثمرين
عشرات المصانع مغلقة، وهياكلها العالية لا تزال شاهدة على سنوات السبعينيات والثمانينيات، ويد عاملة مشردة بين البطالة والتقاعد المسبق، وعقارات صناعية تسيل لعاب الأجانب والجزائريين، يرغبون في صفقات لشرائها بـ”الدينار الرمزي” فقد حصل بعض المستثمرين الذين لم نتمكن من معرفتهم على شراء عقارات هنا وهناك والبعض استأجر مساحات كبيرة كانت تابعة لشركة “كابال” وهو اسم لا يزال منقوشا على الجدار باللون البرتقالي وحولوه إلى محشر ليلي للسيارات وشاحنات النقل الثقيل والحافلات وخردة كبيرة للمركبات المعطلة التي تباع بالقطعة، وأجزاء أخرى لتجميع النفايات الحديدية والبراميل والقضبان وغيرها من القمامة. أما ما تبقى من مؤسسة مواد البناء والمنتوجات الحمراء سوى اللافتة وخراب تام فيه قنينات خمر مكسورة وسيارة كليو بيضاء محطمة ومقطورة شاحنة قديمة وأثار تدل على أن هذه الأماكن ملاذ للمتشردين والمنحرفين، ويتخللها صرف للمياه القذرة المتسربة من أعالي المدينة.
أما في الجانب الآخر من المنطقة الصناعية فيظهر هيكل كبير على طريق براقي الحراش كتبت عليه “سي أن أم سي” وهو مصنع “الترنيت“، الجزء الكبير منه مغلق تسكنه الجرذان والثعابين وجزء صغير منه تم تهيئته يستخدمه الأجانب كمركز للتكوين في صناعة “الترنيت”
وهناك هياكل مصانع مهجورة عفنتها الرطوبة وخربتها السيول وغطاها الغبار وخيوط العنكبوت ومعدات صناعية أكلها الصدأ ولم تعد تصلح لشيء، والبعض لا تزال تقاوم رغم كل الظروف وتفتح إدارتها وأرشيفها أمام العمال المتقاعدين الذين يحتاجون إلى بعض الوثائق كشهادات العمل، من بين هذه الشركات شركة مختصة في الرفوف المعدنية التي لم تغلق بعد لكنها تنشط بـ”المصل” على حد قول أحد العمال. وأيضا مصنع الجلود الذي لا يزال يعمل لكن بعشر الانتاج السابق فقط، وبسبب نقص المواد الاولية، فالمصنع في طريقه للغلق التام، ما لم يشتره أحد الأجانب أو يتم تحويله إلى نشاط آخر أو يباع في شكل عقار.
وحسب سكان جسر قسنطينة فإن المنطقة كانت في سنوات مضت تعج بالحركة، لا يمكن لأحد أن يمر من كثرة الازدحام والنشاط لكن حاليا لا أحد يستطيع السير من شدة الخوف والخراب وباتت المصانع المغلقة والمهجورة مناطق مشبوهة، تحرق فيها النفايات ويلجأ إليها بعض سكان الحي القصديري المحاذي للمنطقة الصناعية لجمع القطع المعدنية والخردة والقضبان الحديدية وكل ما يستخدم لبناء بيت قصديري، أما طريق المنطقة الصناعية فمن شدة الإهمال تحولت إلى شبه واد لمياه الأمطار لا أحد يعبره.
هذا كل ما بقي من السمار ومصانع السبعينيات والثمانينيات ورجال البدلة الزرقاء التي تدل على رمز الاقتصاد الوطني، وكان مجرد حلم جميل لكن الحكومة تقول إنه كان كابوسا.