مصر على مفترق طرق
“يسقط يسقط حكم العسكر”.. هكذا هتف المصريون في الأيام الأخيرة قبل انتخابات رئيس الجمهورية، وكانوا بذلك يدشنون لدولة مدنية بعد اكثر من ستة عقود من الحكم العسكري عاشت البلاد فيه في ظل أحكام عرفية وأوضاع الطوارئ التي أجبرت كثيرا من السياسيين إلى السجون او العمل السري، وجعلت البلاد باستمرار في حالة من الاحتقان الأمني والسياسي.
ويعود آلاف المصريين اليوم ليهتفوا بضرورة “عودة العسكر لحكم البلاد وتسيير الأمور وضبط الأوضاع التي تكاد تتدهور وتنهار في ظل خكم الإخوان المسلمين”. والغريب حقا أن قوى الدولة العميقة لم تستسلم بعد، بل تمارس حلقات من مسلسل انهاك الرئاسة والمؤسسات لإيصال الأوضاع إلى حافة الهاوية وانهاء العملية السياسية السلمية في مصر.. فلئن كان هؤلاء يبكون على السلم المجتمعي والاستقرار، فهم من يربك البلد ويشعل الحرائق ويقض مضجع الآمنين.. وبدلا من الهتاف بضرورة محاسبة البلطجية والفوضويين ومرتكبي جرائم نهب المال العام ومرتكبي جرائم حرق المؤسسات العامة والخاصة، بدلا من ذلك يهتف هؤلاء ضد أفضل عملية سياسية تعيشها مصر عبر تاريخها الإنساني.. فمن كان قبل اليوم يستطيع في مصر أن يهتف ضد الفرعون ويحرق منزله ويعتدي عليه بالأحذية..؟ من كان قبل اليوم يستطيع الاقتراب من مؤسسة السلطان ولو بوردة؟
العجيب أن يكون على الأغلبية إبداء تنازلات تلو التنازلات إلى درجة تصبح فيها الأقليات تمتلك سطوة الديكتاتور وإلا فإن الأمور تكون غير صحية.. العجيب ان يكون الرئيس المنتخب غير شرعي أما الشخصيات المنبوذة جماهيريا والمرتبطة بأجندات غربية تتحرك وكأنها هي من له أسند أمر مصر.
تصطف اليوم الأحزاب التي لم يكن لها حظ وافر في المستقبل الانتخابي من اجل التشويش على الانتخابات التي تقود إلى فوز محقق للتيار الاسلامي في مصر في الانتخابات البرلمانية.. تصطف جميعا مع الشخصيات الفاشلة في الانتخابات الرئاسية مع قوى رأس المال التي فقدت مناخها مع قوى تبحث لها عن مكانة في ظل الفوضى.. يصطف الجميع لإسقاط أول تجربة مصرية عبر التاريخ في إسناد الأمر لأهله من جماهير الشعب.
لم يكن من المتوقع لدى كثيرين ان تستمر المماحكات والمعارضات مسلحة احيانا بالبلطجية واحيانا بالأكاذيب واحيانا بالعلاقات مع الغربيين والأمريكان بالذات طيلة هذا الوقت.. ولقد أبدى الرئيس المصري وقيادة الإخوان صبرا معتبرا ومرحبا به لتفويت الفرصة على المرجفين والمخططين بالسوء.. ولئن استطاع الرئيس المصري ومعه أحرار مصر الخروج بمصر من هذا الكمين الخطير بأمان فإن مستقبلا واعدا ينتظر مصر اقتصاديا وسياسيا.
حتى الآن تسير الأمور تحت السيطرة ومن غير المتوقع ان يدخل الجيش المصري لعبة السياسة بالانحياز إلى هذا أو ذاك من السياسيين، وسيظل حسب ما يقول قادته دوما نحن في مهمة وطنية مقدسة لحماية الوطن وليس الدخول في تجاذباته الداخلة.. ولعل هذه آخر أوراق الدولة العميقة والتي ستنهار بعد الانتخابات التشريعية القادمة لتكتمل المؤسسات السيادية في البلد وحينها يهنأ المصريون من تصديع الرأس والمحاولات الفوضوية التي أطال صبر الرئيس عمرها.