الرأي

مصر… نموذج فريد

صالح عوض
  • 3984
  • 5

معركة كبيرة وحقيقية في مصر لا تقتصر على نصوص الدستور.. بل تمتد إلى الميادين والشوارع والنوادي والمؤسسات السيادية والشعبية.. في مصر كل صاحب اتجاه يعلن موقفه ورأيه بلا تردد ولا خوف.. وفي مصر يقف اليوم المصريون في امتدادات طويلة يعطون أصواتهم للدستور أو ضده بعد ان اغرقت امواج ملايين الناس احتجاجات البرادعي وعمرو موسى والليبراليين الجدد والماركسيين.. ورغم حدة التدافع الذي لم يخل من سفك الدم وضخ اعلامي لا حد له قصد التضليل والتشويه الذي يقلب الحقائق.. رغم ذلك إلا ان مصر تشهد تحولا عميقا سلميا إلى حد كبير يصلح ان يكون نموذجا، بل وفريدا للتحول السياسي العميق، وخير ما يستشهد به قول الأعداء في هذا الصدد.. قال “شلومو ألدار”، المحلل السياسي بصحيفة معاريف: “مصر برغم كل ما يجري بها تعيش أجواء ديمقراطية، فالبعض يعلن عن موقفه المؤيد للدستور، وآخرون يؤكدون رفضهم أيضا للدستور، ومصر تعيش أجواء صعبة، لكنها لاتزال ديمقراطية سياسيا”، وأضاف: “مصر الآن ديمقراطية أكثر بكثير من الحكم الديكتاتوري الذي كان قبل مرسي، الذي كان يعتمد على الأجهزة الأمنية التي خلقت وضعا مريبا بين أبناء الشعب، وكان الكثير من المصريين يوشون ويوقعون ببعضهم البعض”، وتابع: “نظام مبارك كان يقوم على أساس الشبهات والخوف والفرقة، نظام لا يعترف بحقوق الإنسان والمواطن على عكس ما هو موجود الآن”.

وقارن ألدار بين ما يجري في مصر من جهة، وبين ما يجري في سوريا من جهة أخرى قائلا: “مصر أفضل كثيرا من سوريا على سبيل المثال.. ونتوقع بعد سقوط الأسد حربا أهلية شرسة، حيث سيتفرغ السوريون إلى تصفية الحسابات بين بعضهم البعض، وسيتركون البناء“.

دولة كبيرة مثل مصر تحاول الخروج مما رسم لها واستطاعت الثقافة والتربية الاجتماعية والروح الحضارية إلى حد بعيد ان تحفظ ملايين المصريين من الوقوع في فتنة الصدام والاختلاف القاتل.. وها هي مصر الكبيرة تحبط كيد الأمريكان الذين حاولوا جهدهم تثوير الليبراليين وغيرهم لعرقلة مسيرة البلد وإرباكها وتبديد عمرها على فوضى تزيد من ارهاق البلد وإفساده.

دولة كبيرة كمصر كان من الصعب جدا ان تقبل الإدارة الأمريكية لها الانتقال السلمي نحو نظام دستوري حضاري، ولم يكن حاميا لمصر سوى ملايينها وقوة الوضوح امام طلائعها الحضارية التي أصرت ان يكون الدستور هو الخطوة الأولى في تأسيس حياة سياسية بعيدا عن أيدي المتفرعنين الذين يريدون ان يكونوا شعبا غير الشعب المصري.. وها هو الشعب المصري بملايينه يسير وراء خياره الحضاري ويثبت للعالم كله ان الأمة مجبولة بثقافتها وخيارها.. فبعد ان كانت الدساتير هي مهمة الحاكم الذي يجلب اليه مجموعة من النخبة غير ذات الصلة بالعشوائيات وسكان المقابر والفقراء والطبقات المسحوقة.. ها هو الدستور يأتي بنواب الشعب الأصلاء ليسطروا دستورا يشمل من الحريات والحقوق ما لا يشمله دستور في العالم، ومن هنا تأتي معركة الدستور لتحمل الوعي العام والشعبي إلى مرحلة النضج، وبعد ان ادرك الانسان المظلوم والمقهور في مصر كم له من حقوق على الدولة وعلى المجتمع، لن يتراجع عن هذا الإحساس والإدراك مهما كلفه من تضحيات.

اجل، ان مصر نموذج فريد في تكريس حياة الحريات والحقوق بعد ان ظهر فيها طلائع من الرجال المؤمنين برسالتهم، وهي بهذا سترى التأثير المباشر على المنطقة العربية والعالم الإسلامي.. الأمر الذي يصب في تيار حركة الأمة نحو أهدافها.

مقالات ذات صلة