-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مصر والجغرافيا السياسية.. أي دور استراتيجي؟

صالح عوض
  • 2519
  • 0
مصر والجغرافيا السياسية.. أي دور استراتيجي؟

لم يكن المؤتمر الأخير الذي عُقد بالأزهر بخصوص القدس نشازا عن ما تكتنزه مصر من دور تجاه قضايا العرب والمسلمين رغم أن ما يبدو في تداخلات السياسة والحسابات الإقليمية وكأن هناك اضمحلالاً ما في اتجاه الإقليم وقضاياه..

يمكن ان نكون مخيرين في تعديل أدوارنا او صبغها بلون إيديولوجي معين، ولكن لسنا مخيرين في انتخاب أدوارنا الإستراتيجية، ولسنا قادرين على ان نقوم وحدنا بتحولات جذرية تغيِّر وظيفة الجغرافيا السياسية.. وكل الذين حاولوا عكس ذلك بفرض وقائع قهرية انتهى بهم الأمر إلى خارج سياق الواقع وحركية التاريخ ولعل هذه الملاحظة التاريخية هي الأكثر تجليا في نتائج الحملات الاستعمارية على بلداننا.

مصر والجغرافيا السياسية، هذا ما يجب تدبره عندما يصار الى الحديث عن المطلوب من مصر في هذه المرحلة التاريخية قاسية الوطء، وهذا ما يجب ان يدركه الجميع مصريون وعرب ومسلمون وأصدقاء.. من هنا يجب الربط بين الوقفات التاريخية الفاصلة وما هو منتظر على المدى القريب والوسيط والبعيد، وتأمّل في كيفية تدوير الواقع لكي ينسجم مع الصيرورة..

مصر من أقدم بلدان العالم وأكثرها تدوينا لتاريخها ولم تنقطع فيها الحياة المدنية منذ آلاف السنين، قد تخبو قوتها وفعاليتها حينا لأسباب عديدة، لكنها ما تنفك تعود لتصحيح المسيرة والأخذ بزمام المبادرة لتعديل الموازين..

ولقد كتب عنها وشرح دورَها مفكرون وعلماء وساسة تاريخيون، ولقد نالها من الاهتمام العالمي ما لم ينل بلدٌ من بلاد العرب والمسلمين؛ فهي قلب العرب الجغرافي والواصل بين المشرق والمغرب، وهي القريب بثقلها السكاني وموقعها الاستراتيجي من مقدسات الإسلام في الحجاز وفلسطين.. من هنا كله تعرضت مصر إلى حملات متتالية، ورغم فشلها في تكسير مصر، إلا انها نجحت الى حد ما في زرع الفتنة في ثقافتها وتشويه دورها لفترات من الزمن.. واستمر الضغط عليها من جوانبها واستفزازها لإخراجها عن طبيعة دورها.. وأصبحت حولها مشكلات بعضها حقيقي وبعضها مفتعل.

في العصر الإسلامي لاسيما جزأه الأخير كانت هي المصد الكبير للحملات العسكرية الاستعمارية: التتار والصليبيين والحملة الفرنسية والاستعمار البريطاني.. وكما كانت هي المصد الثقافي الحضاري في مواجهة ثقافات التفسيخ والتغريب ولعب الأزهر الشريف دورا رياديا في هذه المعركة مكرسا في الوجدان الشعبي قيمته المرجعية التي تحلت بالاتساع والسماحة فحاز بلا تردد أهليته لكي يكون مرجعية إسلامية عامة لكل المسلمين بكل مذاهبهم واجتهاداتهم.. ومن الشرف الذي سجله الأزهر انه لم يكتف بالعلم النافع والمتفتح، بل تقدم الصفوف في مقاومة المستعمرين فكان له الدور الرئيس في إسقاط الحملات الاستعمارية المتتالية.

كان لابد من الإشارة السريعة للتاريخ المركب على جغرافيا تنتخب لأهلها المهمات التاريخية، إنها عبقرية المكان كما شرح ذلك المفكر الكبير جمال حمدان.. وسريعا نتجه الى ما هو مطلوب من مصر ولمصر؟ فليس أكثر من الوقوف القوي على ساقين تملأهما الفتوة على أرض لا كمائن تتخللها فتعيد التوازن للعرب المشتَّتين والواقعين تحت طائلة العدوان الأجنبي الذي فعل فعلته الشنيعة بها.. 

“المطلوب من مصر بجيشها ومؤسساتها وبأزهرها وأحزابها ونُخبها الثقافية وروح التجانس وقبول التنوع شيءٌ كثير وضروري جدا لا يملأه أحدٌ سواها..”

وقوف مصر على قدميها يعني إلغاء دور النزوات القاتلة لقبائل عربية لم يكن لها دورٌ في التاريخ وليس لها عمقٌ في الحضارة وهي تسكن على ضفاف تاريخ الأمة وهامشها رغم أن آبار النفط أفاضت بأموال وفيرة كانت نقمة عليها أكثر من نعمة ولم تكن في صلب الأمة ولذلك كانت دوما تدعو الى التطرف والضيق والتشدد.. وكما أن وقوف مصر على قدميها يعني إعادة التوازن لعقول الإخوة المسلمين الذين يتاخمون العرب في الجغرافيا والذين مدوا أرجلهم بعيدا في العمق العربي فأساؤوا لأنفسهم وأثاروا الاضطراب في المنطقة التاريخية التي لا يمكن ان تسلم مقاليدها لأحد سواها، وذلك كله نتيجة تلقائية غياب مصر عن دورها.. كما ان وقوفها على قدميها الثابتتين يعني بوضوح إنهاء مشكلات الإقليم لاسيما ليبيا وإيجاد صيغات أكثر اتساعا وارتقاء مع السودان وتصفير المشكلات العربية جميعا.

ما هو مطلوب من مصر يجب أن يكون بحجم مصر بلد الـ100 مليون عربي وبلد الأشراف على البحر الأحمر والبحر المتوسط والحدود مع فلسطين والربط بين البحرين الأحمر والأبيض.. المطلوب من مصر بجيشها ومؤسساتها وبأزهرها وأحزابها ونُخبها الثقافية وروح التجانس وقبول التنوع شيءٌ كثير وضروري جدا لا يملأه أحدٌ سواها.. 

بين التاريخ والمطلوب؛ أي بين الماضي واستشراف المستقبل، هناك عقباتٌ كأداء تمنع مصر من التواصل وتحرم العرب من نعمة مصر وتفرض علينا التنافر والتشاجر بين أقاليمنا وفي داخل كل إقليم ونصبح في دوامة الأسئلة والإجابات المحدودة.. بين التاريخ والمطلوب هناك واقعٌ مر تعيشه مصر الآن في وضع اقتصادي وأمني وسياسي لا يمكن اعتباره نموذجيا أو انه حالة وصل بين الماضي والمراد مستقبلا.

إن أكثر العقبات هي حالة الانشطار المجتمعي والسياسي الناتج عن التصارع السياسي بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين، وهنا تصبح الكلمات موزونة بميزان الذهب لكي لا يفهم من أي لفظة دلالات غير التي نريد..

حصلت المشكلة بين جماعة الإخوان المسلمين والدولة المصرية وتيار اجتماعي ثقافي سياسي كبير، ونحن جميعا نعيش المأزق المصري الذي لم يجد من العرب والمسلمين فيما نعلم أي محاولة للإصلاح بين الإخوة والأهل في بلد قوته قوة للعرب وضعفه ضعف لهم.. بل بالعكس تماما؛ إذ تدخَّلت أطراف عربية واخرى إسلامية وبتوجيهات غربية أمريكية لتعقيد الأزمة ووضع العصيّ في الدواليب.. فأصبحت الأزمة بين الإخوان والدولة المصرية اليوم ليست فقط في عناوين الخلاف الظاهر بينهما انما بفعل تدخلات أطراف خارجة لا تريد لمصر خيرا او لا يريد مشغلوها من الأجانب ان تنجو مصر من التنازع.. وأصبح الإخوان والنظام في مصر يمشون على أحبال وهما خاسران بشكل مباشر، فلا الإخوان في احسن أحوالهم بعد ما جرى من تشريد عشرات الآلاف منهم وإيداع عشرات الآلاف في السجون وانسحاب ثروات مالية ضخمة من مصر.. فهم بالتأكيد في أسوإ أحوالهم وهم القوة الرئيسية بالبلد، ويكفي الاطلاع على أوضاع أسر المعتقلين أو الفارين لنرى حجم المأساة الإنسانية التي يمكن أن تولد أحقادا تجد سبيلها إلى عنف لا يحمد عقباه.. وكذلك فان الدولة ليست على ما يرام في ظل الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأمني الذي أوصل الأوضاع الى درجة ان يختبئ الموقف المصري في بعض الأحيان خلف ظهر أي من أصحاب المال الخليجي.. فضلا عن اضمحلال الدور وضعف الأداء السياسي خارجيا..

الإخوان والنظام ليسوا في أحسن أحوالهم، والمصالحة بينهما تعني التنازلات من قبلهما للوصول إلى نقطة التلاقي، وهي حتمية سيسيرون إليها طال الزمن أم قصر، فلا أحد يستطيع أن يشطب الآخر من المعادلة، فلا ينبغي الشطط في العداوة، لأن الخاسر هو كل مصري وكل بلد عربي.

أليس في الأمة نخبة سياسية أو ثقافية أو إعلامية تنتفض من أجل نزع الاحتقان في مصر لكي تعود بكلها إلى كلنا فتقوِّي وضعنا العربي في مواجهة العدوان الأجنبي والتدخلات الإقليمية المضرة بوحدة بلداننا؟

الأمر يحتاج انتباها وتصرّفا على قدر المسئولية كل من موقعه.. وكان الله مع الصابرين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!