مصير القدس بين العهدين القديم والجديد
لا توجد قضية لها قدرة الكشف عن حقيقة مواقف الدول وما تخفيه مثل القضية الفلسطينية، وتحديدا قضية القدس الشريف، التي هي اليوم في قلب صراع حضاري متشابك، لا يُميَّز فيه الصديقُ من العدو، والحليفُ من المتحالف، والعالم الحقيقي من العالم الافتراضي، وهو على رأس أولويات أرباب النظام العالمي الجديد من الماسونيين، ينتظر إعداد سيناريو هوليودي يساعد على خروج مسيح البروتستانت ومشيخ اليهود.
ردة الفعل العربية والإسلامية على قرار ترامب جاءت محتشمة وخجولة؛ فقد اكتفى الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب بـ”مطالبة الولايات المتحدة بإلغاء القرار” الذي سوف “يعزلها كراع وسيط في عملية السلام” ثم دعا دولَ العالم إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وجاءت رسالة ملك المغرب الذي يرأس لجنة القدس بـ”الوراثة” لتقول ما هو أدنى من ذلك حين ذهب محمد السادس يعظ الرئيس الأمريكي بالقول: “لا يُخفى على فخامتكم ما تشكله مدينة القدس من أهمية قصوى، ليس فقط بالنسبة لأطراف النزاع، بل لدى أتباع الديانات السماوية الثلاث” وأثنى على “الخطوات الواعدة” التي يكون قد اتخذها ترامب من أجل “إحياء عملية السلام”؟!
وللأمانة، فإن من يعيد قراءة خطاب ترامب وبيان الجامعة العربية، لا يجد اختلافا كبيرا، لأن الرئيس الأمريكي تحاشى التمييز بين القدسين: الشرقية والغربية، وصرف النظر عن مآل الاتفاق النهائي، واكتفى بالتعجيل بنقل السفارة إلى القدس، وهو ما أضمره بيانُ الجامعة العربية الذي دعا الجميع إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 67 و”عاصمتها القدس الشرقية” بما يعني التخلي عن القدس الغربية وعن جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها الأراضي التي وُعد بها الفلسطينيون في قرار التقسيم سنة 1947.
في مكان ما نكون قد وقعنا في خطيئة تاريخية متواصلة حين اعتقدنا أن صراعنا هو مع الكيان الصهيوني من اليهود، بينما اتضح أن الصراع في فلسطين هو مع الصهيونية المسيحية من الكنائس الإنجيلية البروتستانتية، التي كانت منذ عهد بلفور تصرُّ على اختيار فلسطين كوطن بديل لليهود، وقد وظفت مسطرة العهد القديم في تحديد جميع التواريخ الهامة في ملف فلسطين من 1017 (وعد بلفور) إلى 1947 (تأسيس الكيان الصهيوني) ثم 1967 (احتلال القدس) وأخيرا 2017 (الاعتراف الأمريكي بالقدس).
هذا الرقم 17 هو رقم مقدَّس عند اليهود الصهاينة كما عند الصهاينة المسيحيين، يتفق مع إحياء أكثر من يوبيل مقدس عند الطائفتين، وكان اختيار ترامب لهذا التاريخ رسالة وفاء لقاعدته الانتخابية من المسيحيين البروتستانت، حيث يقترن بمرور 10 يوبيلات (500 عام) منذ تأسيس الكنيسة البروتستانتية على يد مارتين لوثر (31 أكتوبر 1517)، وهو اليوبيل العشرين (2000 سنة) منذ هدم الرومان للهيكل الثاني (سنة 17 ميلادي)، وعليه جرت مراسيم إعلان تأسيسي للكيان، ثم احتلال القدس، لأن الجميع هم في حالة انتظار لعودة المسيح أو المشيخ، ولا بأس عندهم من مساعدته على العودة باتخاذ إجراءاتٍ مثل قرار تعميد القدس كعاصمة للكيان الذي يعتقد أنه سوف يشهد عما قريب حدثا عظيما من السماء، حتى لو اضطرَّ بعضُهم إلى الاستعانة بتقنيات هوليود في صناعة الأسطورة وإخراجها في عالم لم يعُد يميز بين العالم الحقيقي والعالم الافتراضي.