معارضة من الرخويات لنظام صلد
ماذا ينتظر أقطاب المعارضة حتى يدخلون بالبلد أجواء التغيير المؤمل من الرئاسيات القادمة، بالدفع بأبطالهم إلى المناجزة بين الصفين، قبل الالتحام الكبير في أفريل القادم؟ذلك أن التعويل على من خرج حتى الآن من أشباه المرشحين من صغار الأرانب، قد يدفع بفريق موالاة الرئيس إلى التمثل بقول من قال في واقعة بدر الكبرى: “أخرجوا لنا نظراءنا من القوم”، لأن الفريق الآخر بزعامة المتعودة من حملة لواء تزكية مرشح السلطة، قد قطع الشك باليقين، وحسم أمره، على أن المرشح الوحيد الأوحد هو الرئيس، وقد تحركت آلة الأفلان، الخارجة للتو من دار الصيانة الدورية، لتقود فلول المزكين المباركين لعهدة رابعة، هي اليوم مطلب للحاشية من المجتمع المستفيد، قبل أن تكون رغبة معلنة ملحة يجاهر بها صاحب الأمر.
منطق الأشياء، حتى في مجتمع يناصب العداء للمنطق، يقول إن المعارضة لا ينبغي لها أن ترهن موقفها من الرئاسيات القادمة بفرضية ترشح الرئيس مجددا من عدمه، حتى وإن كان لها الحق في الطعن المشروع دستوريا وأخلاقيا في خيار العهدة الرابعة، لرجل شهد بالأمس القريب على أن منظومة السلطة برمتها قد دخلت أرذل العمر مع جيل طاب جنانو.
فمن حق المواطن على المعارضة أن تكاشفه بمخاطر التجديد أو التمديد، الذي سوف يكون حتما تجديدا أو تمديدا في عمر نظام مغلق، مستعص على الإصلاح، منفتح على مزيد من الفاسد، يحتاج إلى تجديد دمائه إن استعصى على المصلحين فيه تعديل حمضه النووي.
لا شك عندي أن المواطن يعلم ما بين يديه، وقد خبره وعجم كنانته على امتداد أربع عشرة سنة مضت، بما كان فيه من مغارم ومغانم، وحلو ومر، وإصلاحات محدودة أحبطها الفساد المستشري في جسد الدولة، وقد ميز فيه الطالح من الصالح، والمفسد من المصلح، ولن يمانع في الدخول مع المعارضة في مذاكرة مركزة لما في جعبتها من برامج إصلاحية إن وجدت، والتدبر معها في حلول مبتكرة لأمهات المشاكل المعلومة الموصوفة.
وقد لا يكون بين يدي المعارضة فسحة كبيرة لطرح البدائل، وإقناع الناس بجدواها، في بحر شهر من عمر الحملة الرئاسية، لو هي ظلت في ما هي عليه من ترقب لما يصدر من إشارات متناقضة عن قصر المرادية، ومن أدواته المسخرة بكفاءة للتشويش والتضليل، كما هو حال زعيم الأفلان الجديد.
وما لم تتحرك المعارضة في الأسابيع القادمة وتبادر إلى الكشف عن مواقفها مما تسرب حتى الآن من تعديلات قادمة للدستور، وتسارع في بناء تحالفات حزبية واسعة حول برامج حكم بديلة، مؤسسة على مقدرات البلد الحقيقية، لا على شعارات المتاجرة بمآسي وأحلام المواطنين، فإنها سوف تخسر مجددا المنازلة مع النظام، سواء ترشح الرئيس، أو كان هو من يرشح للنظام الخليفة المؤتمن، الذي لا يحمل النظام على إعادة ابتكار عجلة إدارة شعب مفتون، ابتلي بنظام صلد أصم، ومعارضة من جنس الرخويات.