الرأي

معارك الطاقة القادمة: من يقودها؟

محمد سليم قلالة
  • 868
  • 1

يقول “غيوم بيترون” أحد المتخصصين في مسألة الانتقال الطاقوي إن الطاقة التقليدية التي عرفها الإنسان وهي النار والرياح وسيول الماء، استمرت 400 ألف سنة، ولم يعرف أول انتقال طاقوي إلا في القرن التاسع عشر عندما صنع الآلة البخارية التي تتحرك بالفحم، وفي القرن العشرين عرف ثاني انتقال طاقوي بعد تعميم المحرك الحراري الذي يشتغل بالطاقة الأحفورية (الناتجة عن اكتشاف البترول). وقد ربط كل حقبة من حقب الانتقال الطاقوي بهيمنة قوة عظمى. هيمنت بريطانيا في القرن التاسع عشر على إنتاج الفحم، وهيمنت أمريكا في القرن العشرين على إنتاج البترول، وربطت تفوّقها العالمي بما يُعرف بالبترو دولار.

اليوم، يقول الكاتب نفسُه، نعيش المرحلة الثالثة من الانتقال الطاقوي، ويتعلق الأمر بالتحول من المصادر الأحفورية للطاقة إلى المصادر المعدنية النادرة القادرة على صنع الطاقة الجديدة. وهذه المعادن التي ستتحكم في الانتقال الطاقوي الجاري حاليا تُهيمن على إنتاجها دولة واحدة هي الصين. تصل هذه الهيمنة أحيانا في بعض المعادن النادرة إلى 80 بالمائة عالميا. ومن ثم بات واضحا أن الغرب إنما يعيش اليوم حالة من الضغط الكبير جرَّاء الخوف على مستقبله الطاقوي؛ من جهة هناك استخدامٌ للبترول والغاز لكسر هيمنته الجيو استراتيجية التي دامت إلى حد الآن قرنين ونيف من الزمن (منذ 1815)، ومن ناحية أخرى هناك تحكُّمٌ في العوامل الصانعة للطاقة المستقبلية. وهنا تكمن مشكلته الرئيسة.  هو في حاجة إلى الخروج من التبعية للمحروقات، ولكنه حين الخروج إلى الطاقات المتجددة يجد نفسه في تبعية أشدّ إلى المعادن النادرة. هذا الوضع غير المريح للقوى الغربية جعلها تستعدّ للمعارك القادمة مع القوى العالمية الصاعدة التي تريد انتزاع المكانة منها وبخاصة الصين وروسيا والمجموعة المتحالفة معهما. ولعلَّ هذا ما يُفسِّر انعدام البدائل أمام الديمقراطيات الغربية لإيجاد مخرج لأوكرانيا سوى دعمها بالقوة العسكرية، لعلّ في ذلك يكون تأخير لانتقال هيمنة الغرب على العالم إلى قوى أخرى.

إلا أن المتتبع للاتجاهات الثقيلة المرتبطة بالهيمنة العالمية يكتشف أنها ارتبطت باستمرار منذ القرن التاسع بِمَن يُسيطر على مصادر الطاقة. في القرون الأولى كانت مصادر الطاقة مشاعة وغير ذات تأثير كبير على موازين القوى، أما بعد هذه الفترة الطويلة، فقد أصبحت مُحدِّدة للصراع. ونحن نعيش اليوم هذه الحالة بشكل واضح. تجري محاولة خنق كل طرف للآخر من خلال التحكم في مصادر طاقته الحالية والمستقبلية، ويجري الاستعداد للحرب لضمان ذلك، بل وتجري الحرب الحالية في أوكرانيا وتستعر بسبب ذلك.

مَن سينتصر فيها؟ مَنطق الاتجاهات الثقيلة يقول إن هناك تقلصا مستمرا في الفترات الانتقالية من مصدر للطاقة إلى آخر، وتبعا لذلك تسارع في تبدل مَن يتحكم في كل مرحلة، بما يعني أننا في مرحلة نهاية الاعتماد على البترول والغاز، والانتقال إلى الأشكال الجديدة من الطاقة، وبالاستناد إلى مَن يتحكم في المعادن الثمينة التي بدونها لا يمكن إنتاج طاقة متجددة، يتبين لنا مَن سيهيمن على العالم في المستقبل القريب، وعليه ليس أمامنا من بديل سوى الاستعداد لما هو قادم، وهذه المرة لن يتم التعامل معنا على أساس ما نملك من بترول وغاز إنما على أساس ما تحتويه أرضُنا من معادن نادرة لم تُكتشف ولم تُستخرج بعد…

هكذا ينبغي أن ننظر إلى الصراع حول الطاقة في العالم، وهكذا ينبغي أن نستعد للمستقبل.. ولا شك أنّ لدينا الكثير من الأوراق الرابحة.

مقالات ذات صلة