-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

معرض الكتاب كظاهرة اجتماعية

معرض الكتاب كظاهرة اجتماعية

يمتد المعرض في فضاء واسع تتقاطع فيه الكلمات مع الحركة، والصمت مع الضحك، والكتب مع الوجوه. كل جناح يحكي قصة، وكل صفحة تُقلب تنقل القارئ إلى لحظة من التاريخ والخيال، فيما يختلط ضجيج الأطفال بأحاديث الشباب، وتتراءى صور التوقيع على الروايات كطقوس تعكس حميمية اللقاء بين الكاتب وجمهوره.
في هذا الجو، يلاحظ البعض أمورا اعتبروها سلبيات: صور تُلتقط في كل زاوية، ضحكات ترتفع في الممرات، شباب يتجمعون حول كاتب بعينه، وزوار يتناولون وجباتهم من قطع الشوارمة، بينما تقلّ الاهتمامات بالكتب الدينية مقارنة بالروايات الحديثة.

يتكشف عند التأمل أن هذه اللحظات تعكس حاجة الإنسان إلى الحضور، إلى الاتصال بالنص وبالآخرين، إلى التفاعل مع العالم الذي يعجّ بالتجارب المختلفة. الشباب الذين يلتفون حول كاتب يبحثون عن صوته، عن نص يحاكي قلقهم وفضولهم، ويمنحهم شعورا بأنهم جزء من حوار أكبر. الصور التي يلتقطونها هي للتوثيق، كما أنها محاولة لتجميد لحظة يمكن العودة إليها لاحقا، لاستعادة الدفء والفضول، كما كان يحدث في الماضي حين كانت آلات التصوير ثقيلة ونادرة، وكان لكل صورة قيمة تخلد ذكرى.

واللغة تلعب دورا إضافيا في هذا النسيج: الكتب باللغة الفرنسية تنفد بسرعة، ومع ذلك يعكس الإقبال عليها خريطة ثقافية معقدة، يظهر فيها من ارتبط بهذه اللغة منذ الصغر، ومن يراها وسيلة للخيال والمعرفة، ومن يبحث عنها كجسر للارتباط بالعالم من حوله. كل نسخة مطبوعة، وكل قراءة، تحمل دلالة على الانتماءات الطبقية والثقافية، وعلى العلاقة بين الفرد والمجتمع، بين التراث والفضاء المعاصر.
كما تتوزع حول محيط المعرض الزوايا المخصصة للطعام، حيث سندويشات الشاورما وأكواب العصير تصبح جزءا من المشهد، وتكشف عن جانب آخر من الحياة اليومية داخل الحدث الثقافي. الجسد يحتاج إلى راحة ليستقبل المعنى، والطعام يصبح فعلا اجتماعيا يكمل تجربة القراءة، ويمنح الزائر فرصة للتمدد بين الأجنحة قبل العودة إلى الصفحات والكلمات. اللحظة ليست للاستهزاء والضحك، وإنما لطرح سؤال مهم: هل توفرت للزوار أماكن كافية لتناول الطعام وتنوع أذواقهم؟
والرواية الحديثة، خصوصا تلك التي كتبها الشباب، تنتشر في كل زاوية، فيما يبدو تراجع الكتاب الديني واضحا كما يرى البعض. ومن المفروض أن ننظر إلى هذه الظواهر ليس كأرقام مجردة، وإنما على أنها انعكاس لتحولات في الوعي الفردي والجمعي، ولحاجة الشباب إلى سرد تجربتهم بلغتهم الخاصة، لرؤية العالم من منظوراتهم، للتعبير عن القلق والطموح والفضول. كل كتاب، كل توقيع، كل حوار صغير يضيف طبقة إلى فهمنا لكيفية تفاعل المجتمع مع المعرفة والثقافة.
وحتى الزوار الذين يأتون للتمشية أو لقاء الأصدقاء يشكلون جزءا من النسيج الاجتماعي للمعرض، إذ يُكملون التجربة الإنسانية، ويجعلون من التجوال فعلا ثقافيا قائما على الفضول والملاحظة والتفاعل. كل خطوة، كل حركة، وكل ابتسامة تحمل دلالتها، وتشارك في خلق فضاء حيوي للثقافة.
ينتهي المعرض، لكن تأثيره يبقى حاضرا في الذاكرة: مناقشة فكرة، التقاط صورة، ابتسامة عابرة، لحظة تقارب مع الكتّاب أو الأصدقاء والأحباب، كلها تصبح جزءا من قصة جماعية، والقراءة السوسيولوجية لهذا الحدث تكشف عن تحولات الذوق الثقافي، عن الانتقال من القراءة المدرسية إلى الحرة، ومن الخطاب التقليدي إلى التجربة الفردية، ومن الكتاب كرمز للنخبة إلى الكتاب كمساحة مفتوحة للجميع. هكذا يصبح المعرض مرآة لعلاقة الجزائري بالكتاب، ولتفاعل المثقف والجمهور، وللطريقة التي يتشكل بها الفعل الثقافي في الحياة اليومية، حيث تمتزج الرغبة في الفهم مع حاجة الإنسان إلى التواجد والمشاركة. فهنيئا لمن زار، لمن اشترى كتبا، لمن التقط صورا مع صديق، وهنيئا حتى لمن أكل بعض الشوارمة.. فالكل كان جزءا من هذا المشهد الثقافي والاجتماعي، وكم نحن في حاجة إلى ذلك، في مختلف جهات الوطن، وفي أقرب وقت ممكن.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!