الرأي

معركة كراهية جديدة ضد المسلمين بفرنسا

مرة أخرى، تفتعل فرنسا معركة كراهية جديدة ضد المسلمين فوق أراضيها بعد ما أنهكتها الأزمة مع الجزائر والصدماتُ الخارجية، خاصة بإفريقيا، حيث سقطت أذرعها تباعا من دون أي قدرة على وقف الانهيار، في ظل موجة الوعي المتنامية ضد الأطماع الفرنسية في المنطقة.

وفي أحدث تقرير رسمي مسرَّب، تتهم السلطات الفرنسية تنظيمات محليّة لـ”الإخوان المسلمين”، بأنها تسعى لدفع أجندتها “الأصولية” في جميع أنحاء فرنسا وأوروبا عموما، فهي تشكّل “تهديدا للتماسك الوطني”.

المتهم الأول في تسريب التقرير السرّي هو رمز اليمين المتطرف في الحكومة وزير الداخلية برونو روتايو، الأمر الذي أزعج رئيسه إيمانويل ماكرون في اجتماع لمجلس الدفاع، ليس اعتراضًا على مضمونه، بل لعجز وزرائه عن تقديم حلول كافية لمواجهة هذا “التهديد الوجودي”، وفق مصادر إعلامية فرنسيّة.

وإذا كان روتايو فعلًا قد تحرّش في أكثر من مناسبة، مؤخرا، بناشطي “الإخوان” بزعم محاولتهم دفع المجتمع الفرنسي نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، في مسعى سياسويّ انتخابي مكشوف، لاستهداف الجالية المسلمة، وعلى رأسهم الجزائريين، تحسّبًا لرئاسيات 2027، فإنّ التقرير في جوهره متناغم كليّا مع سياسة ماكرون.

بل إنّ الموقف ليس غريبًا على بلد مثّل أسوأ استعمار حديث، بالتزامن مع رفعه لواء “الحرية والمساواة والأخوّة”، وراية “التنوير” العقلاني الإنساني، بينما لم تكن في واقع الحال سوى شعارات زائفة لخدمة مصالحه الضيقة، عندما يتعلق الأمر بالعلاقة مع الشعوب الأخرى، إذ تباح فيها أبشع أنواع الاستغلال والنهب والاستعباد، لتوسيع أحلام الإمبراطورية الفرنسية.

أما بمعطيات الحاضر، فإنّ مزاعم التقرير الجديد ليست على الإطلاق مفاجِئة، لأنّ باريس أعلنت الحرب رسميّا على الزيّ الإسلامي قبل عقدين، مع أنها تضم أكبر كتلة مسلمة في أوروبا، لكن ذلك لم يمنعها من حظر ارتداء الحجاب في مدارسها الحكومية منذ 2004، تحت ضغوط اليمين المتطرف، باعتراف وكالة الأنباء الفرنسية نفسها.

وفي العهدة الثانية للرئيس الحالي، حظر وزيرُ التعليم السابق، غابريال عطال، معتبرا ارتداء العباءة في المدارس الفرنسية بذريعة انتهاك القوانين العلمانية الصارمة المطبَّقة في بلاده، لأنها برأيه “تعبيرٌ عن انتماء ديني في البيئة المدرسية”، ثم تبعه ماكرون بالتشديد على الحزم في تطبيق المنع.

وقد عبّر ذلك القرارُ في حينه عن علمانية فرنسا الانتقائية، والتي تبيح لشخصيةٍ عمومية برتبة وزير أن تمارس الشُّذوذ، أكرمكم الله، وتجاهر به أمام الرأي العامّ، باعتباره “حرية شخصية مقدسة”، وخصوصية لا يحق للآخرين التدخل فيها، مهما بلغت من القذارة وانتهاك الأعراف السويّة في كل المجتمعات البشرية، بغضّ النظر عن معتقداتها الدينية، بينما تقمع مسلمًا في اختيار لباسه وفق قناعاته الخاصّة.

الحقيقة هي أن منظومة الحريات التي تتشدّق بها فرنسا ودول الغرب عموما ليست سوى أيديولوجية غربية صرفة، تعبّر عن قيم حداثية ماديّة غريزية، تزيَّن بمصطلحات الكونية والعولمة وحقوق الإنسان، من دون أدنى احترام لثقافات الآخرين وانتماءاتهم الحضارية، وما تحمله من تميز في الخصوصيّة، إلى درجة أصبح التشبُّث بها منافيًا عندهم لمفهوم الحرية الكاذبة.

لذلك سيكون من الخطأ إلحاق كل شيء يجري ضد المسلمين في فرنسا حاليّا على أنه من سياسات روتايو واليمين المتطرف، بل هو نهج رسمي متكامل.

كما أن التحجج بقيم الجمهورية ليس سوى ذريعة واهية لتسويغ التضييق على المسلمين، بل هو إمعانٌ ساذج في بث الكراهية تحت نفوذ اليمين المتطرف، وما تفعله فرنسا الرسمية يبقى دليلا قاطعا على فشلها في إكراه الفرنسيين من أصول عربية وإسلامية على الاندماج الثقافي، بل الأخطر أنه مؤشرٌ حقيقي على رعبها من مستقبل الإسلام في القارّة العجوز كلها.

إن تنامي ممارسات الإسلاموفوبيا بالبلدان الغربية ليس فقط نتاج خطابات سياسوية، مع بروز التيار الشعبوي اليميني المتطرف، بل هو تطبيقٌ لسياسات الحد من انتشار الإسلام، انطلاقا من دراسات ديمغرافية موثوقة عندهم تؤكد هيمنته الدينية مستقبلا، ضمن التعداد السكاني للدول الأوروبيّة، ومزاعم باطلة تاريخيّا، ترى في أوروبا موطنًا للمسيحية، بينما الإسلام وافدٌ غريب، في حين أن وجوده الحضاري، دينيّا وثقافيّا وعلميًّا، هو الأصيل في القارّة.

في أوائل العقد الأول من القرن الـ21، صاغت الكاتبة البريطانية، بات يور، نظريتها المشؤومة عن عوْرَبة أوروبا (Eurabia)، للتحذير من كيانات عالمية تهدف إلى أسلمة وتعريب القارّة، لإضعاف ثقافتها وتقويض التوافق السابق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد تلقّفت قوى اليمين المتطرف نظرية المؤامرة لشحن الكراهية ضد العرب والإسلام.

مقالات ذات صلة