-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في غياب الطب النفسي المدرسي:

معلمات يلعبن دور الأخصائيات !

نادية شريف
  • 5378
  • 5
معلمات يلعبن دور الأخصائيات !
لا بديل عن الطب النفسي المدرسي

في جولة استطلاعية قادتنا للعديد من المدارس الابتدائية بالجزائر العاصمة وما جاورها من ولايات كان صعبا علينا أن نستوعب فكرة غياب الطب النفسي مع وجود حالات مرضية تستدعي المراقبة المستمرة على أعلى المستويات…هذه النكبة التي ألقت بظلالها تقريبا على كل المؤسسات التربوية جعلتنا نكتشف وجها آخر لظلم البراءة المتشبثة بأدنى بصيص أمل رغم حجم المعاناة وعرفتنا على معلمات مرهفات الحس تضطرهن الظروف مرارا لقطع الدروس ولعب دور الأخصائيات عندما تكون هناك حالات تستدعي التدخل الفوري لتبديد المخاوف ورفع المعنويات.

كنت متخوفة منه ثم احتويته

العقدة التي يعاني منها الطفل سامي كانت الجسر الذي أوصلنا إلى معلمته “ر.سهيلة” التي احتوته بكل عطف وحب وحاولت مساعدته بشتى الطرق على تخطي الأزمة بعدما اكتشفت الجانب المظلم من حياته وعرفت طبيعة معاناته.

سامي التلميذ هو نفسه سامي الإبن…تائه عن واقعه طوال الوقت، تارة يكون حزينا منطويا وتارة عدوانيا شرسا وعنه تقول: “يوم الدخول المدرسي كان وحيدا ومرتبكا وبداخله مشاعر متضاربة…في البداية استغربت من حالته التي لم تكن تشبه حالة الأطفال الآخرين، وازددت غرابة حين بدأ يكرر على مسامعي جملة “أنا ليس لدي والد…والدي قتله السارق…أنا متزوج وعندي طفل وطفلة ولا أخاف أحدا”…ومع الأيام وباستدعائي لوالدته عرفت بأنه يعاني من انفصام في الشخصية والسبب هو فقدان والده، الشخص الأقرب إلى قلبه.

سامي لم يكن طفلا عاديا وانتقاله فجأة من حالة الهدوء إلى العنف كان يرعب المعلمة التي خافت على باقي زملائه منه باعتبار أن ردود أفعاله غير متوقعة لكن بعد تفكير طويل قررت الاحتفاظ به واحتواءه رغم تحذير الجميع لها وطلبهم منها رفع شكوى إلى المدير بخصوصه حتى يصدر أمرا بتوقيفه عن الدراسة وإحالته على العلاج ولم تفعل لعدة أسباب لخصتها في الآتي: “تخوفت منه كثيرا ومن أحواله العنيفة، خفت أن يؤذي الأطفال وفي ذات الوقت شعرت بالشفقة اتجاهه خاصة وأنها أول سنة له في المدرسة، كان كثير المقاطعة لي أثناء الدرس من أجل الفضفضة عن همومه فأضطر لسماعه والتخفيف عنه بعبارات تشجيعية…كان كلامه يقطع الفؤاد ويجعلني أبكي بمرارة وبوجود هذا الحوار نشأت بيننا علاقة ود من نوع خاص، أخذت دور الطبيبة النفسانية في غياب أدنى مساعدة من المؤسسة ونجحت لأبعد الحدود في كسب ثقته، الأمر الذي جعلني أحسن التأثير عليه كي يهتم بدراسته.

كان جمادا ولكني أحببته

وبمدرسة ابتدائية موجودة بإحدى بلديات ولاية تيبازة استقبلتنا معلمة الطفل فاتح ابن الثماني سنوات، الذي يبتلع لسانه بالكامل حين يصل إلى المدرسة ولا يعود ينطق ببنت شفة وكأنه من فئة الصم البكم مع أنه ليس كذلك …فاتح في أول سنة دراسية له كان ينال قسطا وافرا من الضرب لرفضه المشاركة في القسم كباقي زملائه لكن إصراره على الصمت واكتفاؤه بالبكاء دون إصدار أي صوت جعل المعلمة تشك في أمره وتستدع والده الذي أفهمها بأنه يعاني من عقدة نفسية حولته إلى جماد بعدما فقد أخاه التوأم فتحي حيث لا يتكلم مع أحد غير والدته نظرا لعلاقته الوثيقة بها، فأشفقت عليه وصارت تبذل مجهودا مضاعفا كي تقرب له الفهم ولو لم يتكلم وكل ذلك كي تساعده على التفاعل مع الدرس والزملاء وبشأنه تقول: بما أن ردود فعله ليست عنيفة فأنا مطمئنة له وسآخذ  بيده لأني أحببته…بصراحة أنا أواجه العديد من الصعوبات معه خاصة وأنه لا يوجد في هذه الابتدائية طبيب نفساني لكني لن نتخلى عنه  وهذا أقل واجب أفعله”.

لم أحتمل إزعاجها

الأستاذة “ع.نجاة” رغم طيبة قلبها وحبها لمهنتها وللأطفال وعلى خلاف الكثير من الزملاء والزميلات ممن اختاروا التضحية براحة بالهم وتقلدوا مهنة الأطباء النفسانيين للأخذ بيد التلاميذ المعقدين، قالت بأنها لا تستطيع المخاطرة واحتواء طفل مريض بامكانه أن يسبب المتاعب في القسم أو يؤذي زملاءه الذين تعتبر نفسها مسؤولة عن راحتهم وسلامتهم ماداموا في حمياتها.

وأضافت بخصوص طفلة معقدة كانت تدرس عندها في القسم الرابع: “إنها مريضة ومعقدة لدرجة كبيرة، كثيرة الإزعاج والصراخ وبصراحة كانت تثير أعصابي لأنها تتهجم على زميلاتها وتشدهن من شعورهن نظرا لغيرتها الشديدة منهن…حاولت احتمالها في بادئ الأمر لكن تماديها جعلني أطلب تحويلها للمتابعة النفسية العاجلة لأن بقاءها ليس في مصلحة التلاميذ الآخرين فما ذنبهم أن تضيع عليهم الدروس وقد كانت لا تتركني أشرح أو أتكلم”.

هذه مسؤولية الوزارة

بعدما اشتكى لنا أساتذة كثيرون من غياب الطب النفسي المدرسي وتحملهم مسؤولية تلاميذ مرضى يضطرونهم في الغالب لقطع الدرس ومجالستهم، كان لزاما علينا أن نستقصي الخبر اليقين من الإدارة لمعرفة مكمن الخلل، وفي لقاء مع مدير مدرسة ابتدائية، أكد هذا الأخير بأنه لا ينكر أهمية وجود أطباء نفسانيين في كل المؤسسات التعليمية لكن مهام كهذه تحددها الوزارة الوصية، حيث قال: “في البلدان المتقدمة يوجد في كل مدرسة مرشدون اجتماعيون وأطباء نفسانيون يستمعون إلى انشغالات المتمدرسين في مختلف الأطوار والمراحل ويساعدونهم على تخطي الأزمات وهذا ما يسهل على الأساتذة مهمة إلقاء الدروس في جو هادئ وسليم، أما عندنا فلا رعاية من هذا النوع ولا هم يحزنون”.

هذا ويقول مدير آخر: “المتخرجون المتخصصون في الطب النفسي التربوي على رؤوسهم وبالإمكان توزيعهم على المدارس في إطار لإصلاح المنظومة التربوية ومحاولة الرقي بالتعليم، إذ لا يخفى على أحد بأن التعليم الابتدائي هو القاعدة الأساسية فهو كالنقش على الحجر ولا بد من تدارك الأمر قبل أن يستفحل الخطر فبعض التلاميذ الذين يعانون من عقد ولا يخضعون لأي علاج بإمكانهم أذية زملائهم كما حصل مؤخرا بإحدى المدراس الإبتدائية أين طعن تلميذ يعاني من ارتباك نفسي شديد وهو في العاشرة، تلميذا آخر في مثل عمره كان يمازحه فثارت ثائرته وأخرج سكينا من جيب سرواله وحصل ما حصل   !. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • ilhem

    ماهدا التعبير :طفلة معقدة!

  • لبنى

    لانكم انتم يا اساتذة في كل عام تقومون باضراب مفتوح من اجل مطالبكم فقط ولو انكم نظرتم الى مصلحة الطفل لتوفرت لكم كل الاحتياجاة و معضمكم لا يستهل راتب الذي يتقاضاه مالكم حرام واجبكم ناقص

  • فتيحة

    خلق الانسان ضعيف

    وأي مشكلة تواجهه لابد له من توجيه
    سؤاء كان توجيه قريب او من بعيد

    وياريت لو اهتمينا بذلك الجانب الا وهو الجانب النفسي
    الذي له دور كبير في حياة الفرد في حياته اليومية

    نحن دائم سجناء كلام الناس
    ولكننا نحتاج بحق لمختصين وومرشدين نفسيين في كل طور في التعليم

  • فتيحةنن

    للاسف الاهتمام بالجانب النفسي مع الجانب التعليمي شيء مهم جداا

    نحن شعوب تعتقد أن الانسان حجر

    رغم أنه انسان خلق ضعيف

    نسال الله العافية والمعافات يارب

  • فاروق

    نحن في مجتمع لم ينطلق بعد لفهم اهمية علم النفس التربوي والاكلينيكي ولهذا لم نوليه عناية ولعلى نسبة كبيرة من امراضنا الاجتماعية سببها اهمال الجانب النفسي في عملية التعلم.