معلم وخليفة
من أَجَلِّ ما أمر الله ـ عز وجل ـ العِلم، بل كان أول ما أنزل من كتابه، وأول ما أمر به أشرف عباده وأفضل رسله ـ عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، ونعيد تأكيد ما أكدّه أولو النُّهى من فطاحل علمائنا ـ عليهم الرحمة والرضوان ـ الذين تنبهوا إلى أنه إذا كانت الدول في العصر الحديث قد جعلت العِلم “حقا” من حقوق الإنسان، فإن الإسلام العظيم قد جعل العلم “واجبا”، وشتان ما بين “الحق” و”الواجب”.
إن القرآن الكريم مملوء بآي الذكر الساطعات الآمرة بالعلم، الحاثة عليه، المرغّبة فيه، كما أن السُّنة القولية والفعلية والتقريرية لخير من قذفته رحم، وسعت به قدم فعلت ذلك. وقد نهج الخلفاء الراشدون، ووجوه الصحب الأكرمون، وعليه التابعين، وخيرة السلاطين وأفاضل الأغنياء ما جاء به “المعلم” ـ عليه الصلاة والسلام ـ من عند ربه ـ عز وجل- ومما أوردته الكتب عن تقدير بعض سلاطين المسلمين للعلماء والمعلمين أن هارون الرشيد، الذي يحاول الفاسدون والمفسدون من تلاميذ المستشرقين عندنا تشويه صورته، هارون الرشيد الذي كان”عالما”، مشجعا للعلماء، مكرما لهم، حتى بلغت الحضارة الإسلامية في عهده مكانا عليا، وقال للسحابة التي مرت على بغداد ولم تمطر ما قاله، وما يعرفه العامة قبل الخاصة… هارون الرشيد هذا دعا معلم أولاده ـ واسمه أبو معاوية الضرير ـ ليتناول معه الطعام، وصبّ عليه الماء ليغسل يديه قبل الأكل، ثم سأله: يا أبا معاوية ـ هل تدري من صبّ عليك الماء؟ فأجاب أبو معاوية: لا أدري، فأنت تعرف حالي، أي أنني أعمى. فقال هارون الرشيد: أمير المؤمنين من صبّ عليك الماء. فقال أبو معاوية دون تملق وتزلف: لقد أكرمت العلم… ثم دارت الأيام فاستولى السفهاء على الحكم في الأمة الإسلامية، ولم يكتفوا بذلك، بل أضافوا إلى سفههم الجهل، وما تزال هذه الأمة منكوبة بهؤلاء الجهلاء والسفهاء إلى اليوم ـ وحالها دليل على ذلك ـ وزاد الطين بلة أن أشباه العلماء حصروا العلم في العلوم الشرعية، وشجعوا الطلاب على ذلك، حتى إنه عندما احتلت فرنسا وطننا لم يكن عندنا طبيب حقيقي، ولم تكن عندنا “فلوكة” أو”بشطولة”، مما صنعته أيدينا.. وهاهو “كبيرنا” يذهب إلى أعدائنا ليعالج مما أصابه.. حتى ”عيّرنا” بذلك أولئك الأعداء ـ وإن كثيرا مما تعانيه الجزائر اليوم هي إسناد أمرها إلى من ليس أهلا لذلك من الناحية العلمية وأذكّر بما صرح به السيد علي يحيى عبد النور من أن الذين حكموا الجزائر منذ 1962 إلى يوم الناس هذا ليس لأحد منهم شهادة”البكالوريا”… وكارثة الكوارث هي أن كثيرا من الجامعات تحمل أسماء “أميين” و”أشباه أميين”، وكان يمكن إطلاق أسمائهم على مؤسسات مناسبة لهم..
إذا كان الله ـ عز وجل ـ قد أمر رسوله ـ صلى الله عليه وسلم. بقوله:”وقل ربي زدني علما”، فإن “أمخاخنا” يصرحون بملء أفواههم:”ما نحتاجوش اللي يعطينا دروسا”.. و”تحية لمن قيل له ـ وقد صار شيئا مذكورا ـ:”هاوجا الفاكس” فقال:”قولو لو يستنى”، ظنا منه أن “سي الفاكس إنسان، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق .. ويشرع للناس”.