الرأي

مع مالك بن نبي هذه الأيام

التهامي مجوري
  • 327
  • 0

يفصلنا عن مغادرة مالك بن نبي دنيانا الفانية، أكثر من خمسين سنة، إذ تُوفي رحمه الله في 31 أكتوبر 1973، ومنذ أن ودّعنا لم يعرف الناس له ترجمة لحياته غير النص المنشور في مجلة الثقافة الجزائرية في شهر نوفمبر أو ديسمبر 1973، وهو نص التأبين الذي كتبه الدكتور عمار طالبي، إلى جانب “مذكرات شاهد القرن”، التي كتبها هو نفسه، ولا يوجد غير هاتين الوثيقتين للتعريف بالرجل، مع فارق بين الوثيقتين، هو أن مذكراته كانت بمثابة وثيقة تاريخية لتؤرِّخ لجيل أكثر منها مذكرات خاصة بشخصه، حتى أنه تعمَّد إخفاء اسمه خلف “الصديق”، على خلاف مقال الدكتور طالبي، الذي كان تعريفا عاما بالرجل وبآثاره.
ولكن ابتداء من منتصف الثمانينيات تقريبا، ظهر اهتمام العالم ببن نبي، عبر طروحات أكاديمية قام بها طلبة ومهتمون من العالم الإسلامي، فبدأ الناس يُجْرون المقابلات مع من عرف مالك بن نبي عن قرب من الجيل الذي عرفه من تلاميذه وأصدقائه وعائلته -زوجته وبناته خاصة- فتوفرت بفضل ذلك الكثير من المادة العلمية الخاصة بحياة الأستاذ رحمه الله، ونخص بالذكر منها هنا مذكرة الأستاذ الدكتور عبد العويسي الباحث السعودي، الذي تعدّ أطروحته عن بن بني موسوعة هامة ملأى بالمعلومات التي لم تُتَح لغيره ممن كتب عنه، فقد جاوزت الدراسة 500 صفحة، ثم تبع هذه الحركية المتسارعة، نشر بعض ما لم ينشره في حياته، مثل “العفن”، والجزء الثاني من “وجهة العالم الإسلامي: المسألة اليهودية”، والجزء الثالث “الكاتب” من “مذكرات شاهد القرن” المتمِّم للجزئين السابقين اللذين أصدرهما في حياته بعنواني: “الطفل” و”الطالب” ثم اليوميات الخاصة التي كان يدوِّنها في دفاتره، فعرف الناس بفضل ذلك عن بن نبي رحمه الله ما لم يعرفوه طيلة سنوات الإهمال قبل الثمانينيات.

ما ورد في “اليوميات” وفي بعض ما ذكر في “العفن”، كان يحكي عن خواطر وأحاديث نفس وآراء تدور بينه وبين من يشاركهم ويشاركونه الرأي، فعندما يقول مثلا إنه مع حمُّودة بن ساعي أو أخيه صالح، فكَّرنا في أن نعطي درسا لابن باديس بمناسبة زيارته لباريس بمناسبة عرض مطالب المؤتمر الإسلامي… فهل بن نبي حقيقة يعتقد أنه في مستوى إعطاء ابن باديس دروسا في الوطنية والسياسة والإصلاح؟

وها هو يعود هذه الأيام ولكن ليس كما العادة، بقراءة ما ترك من المؤلفات التي نُشرت في حياته، فيكتشف الناس ويتعرّفون عن جانب أو جوانب من العظمة في فكره، وما تقدَّم به من الأفكار عن عصره الذي عاش فيه، وإنما بقراءات أخرى مستندها ما نُشر مما لا يتوافق والمنهج الذي سار عليه بن نبي، في كتاباته التي أشرف على نشرها بنفسه وتابع ترجمتها بنفسه، إذ ظهرت أمورٌ أخرى لا علاقة لها بما عهدنا عن بن نبي من توليد الأفكار والإبداعات والطروحات التي تفرَّد بها في حياته. وكأن الذين قاموا بهذه الطروحات، كانوا ينتظرون الوقت المناسب لنشر مواقفهم المبدئية تجاهه، فينتقصون من قدره وشأنه ومكانته، وذلك بتوظيف بعض ما نُشر في كتاب “العفن” من أسلوب غير معهود عنه، أو ما ورد في اليوميات من انطباعات حول شخصيات معينة وتسجيل مواقف وآراء معينة من مشاهد مرَّت به أو مرَّ بها، ليثار الغبش حول رجل عُرفت مواقفه وآراؤه وثوابته ومتغيراتها في كل ما كتب ونشر في حياته، خلال 39 سنة (1946/1973).
وبتقديري أن كل ما نُشر بعد وفاته ينبغي فهمه وفق ما نشر في حياته، لاسيما الكتب التي كتبها وتركها لتنشر بعد وفاته، فلا بد من قراءتها في ضوء ما كتب ونشر في حياته، وإلا وقعنا في مجانبة إنصاف الرجل.
ومالك بن نبي كغيره من الكتاب والباحثين، يصيب ويخطئ، ويترك من الثوابت ما لا تنتهي صلاحيته من آراء ومواقف، كما ترك ما يمكن أن تنتهي صلاحيته، ولكنه لا يكذب على الناس وينافقهم ولا يخادعهم فيضِّللهم، كما توحي بذلك بعض الكتابات عنه التي أعادته إلينا هذه الأيام في صورة مشوَّهة لا علاقة لها به.
ولعلَّ أخطر النصوص التي يمكن الاستنادُ إليها في إثارة الزوابع التي تريد النيل من بن نبي، وتستميت في البحث عن إدانته: كتاب “العفن”، و”اليوميات”، باعتبار هذين النصين من النصوص التي خرجت عن مألوف ما كتب بن نبي في حياته، ولولا معرفتنا بأسلوبه وطريقة تحليله لشككنا في نسبة هذه النصوص إلى الرجل، ولكن بحكم خبرتنا الطويلة بقراءته، علمنا أن ما نُشر منسوبا إليه بعد وفاته من تأليفه وإن خالف المعهود في طريقة الكتابة.
كتاب “العفن” مثلا الذي كتبه بلغة عنيفة، سجّل فيه عبارات “قبيحة” في حق أعلام جزائريين لهم مكانتهم، ولكن في كل ذلك لم يكن يريد الانتقاص من أحد وإنما كان يصف الرجل “الأنديجاني”، الذي أرادته فرنسا أن يكون، بنفسية قابلة للاستعمار بسبب ما تتَّصف به من جهل وسلبية وضعف معرفي وثقافي، وما ورد في “اليوميات” وفي بعض ما ذكر في “العفن”، كان يحكي عن خواطر وأحاديث نفس وآراء تدور بينه وبين من يشاركهم ويشاركونه الرأي، فعندما يقول مثلا إنه مع حمُّودة بن ساعي أو أخيه صالح، فكَّرنا في أن نعطي درسا لابن باديس بمناسبة زيارته لباريس بمناسبة عرض مطالب المؤتمر الإسلامي… فهل بن نبي حقيقة يعتقد أنه في مستوى إعطاء ابن باديس دروسا في الوطنية والسياسة والإصلاح؟ لا أظنه يعتقد ذلك، بل إن من يقرأ آراءه في ابن باديس يخرج برأي متزن في موقفه منه ومن حركته، ولكن في هذه المذكرات “العفن” لم يتكلم بن نبي المفكِّر الدارس المحلل، وإنما ظهر أسلوب المواطن الجزائري المستاء من نخب مجتمعه بسبب ما أصابهم من غفلة وعدم تقدير لمخاطر الاستعمار. ومن أراد أن يعرف الموقف المبدئي من كل من كتب عنهم بن نبي في “العفن”، فليقرأ ما كتب عنهم في غير “العفن”، في “مذكرات شاهد القرن”، وفي مقالات أخرى موزَّعة على كتبه الكثيرة.
وما يقال عما ورد في “العفن” من عبارات قاسية وحدَّة في الطرح، يقال أيضا في “الدفاتر”؛ لأن “الدفاتر” هي اليوميات التي يسجِّل فيها الكاتب انطباعاته العامة عما يرى ويقرأ، وأحيانا تكون آراء ومواقف من قضايا في شكل مشاعر معينة معبِّرة عن أشياء مرَّ بها في طريقه، والانطباعات لا تصلح حكما على ثوابت المفكر وأفكاره؛ لأنها انطباعاتٌ، ومن طبيعة الانطباعات أنها تعبِّر عن مزاج أكثر منها أفكارا، والمزاج لا يصلح في تقرير الأفكار والمواقف.
وخصوم الرجل الذين كانوا لا يعتبرونه شيئا حينا، ويتَّهمونه بالوسواس حينا آخر، ويدعون إلى تجاوزه لأن الزمن تجاوزه، ها هم اليوم يُدْعَمون بفريق جديد يسندهم، وهو أن بن نبي ليس إلا رجلا من ورق يمكن طيُّه بسهوله انطلاقا مما كتب وليس من خارج ما كتب!
وكتاب “العفن” كانت عندي النسخة الفرنسية منه منذ سنة 1980 مرقونة على الآلة الكاتبة، وعندما ترجمه الأخ نور الدين خندودي ونُشر ثم سُحب من السوق بسبب احتجاج العائلة، كتبتُ عنه موضوعا بعنوان “مالك بن نبي القبيح”؛ لأنني رأيت الكتاب يعبِّر عن مشكلة ضعف النخبة الوطنية التي رأى فيها نفسية من صنع الاستعمار أطلق عليها “أنديجان”، كما عبَّر عنها في كتبه كلها وهي ثمرة للقابلية للاستعمار ولكن بلغة غير معهودة منه تحمل من التعبير عن المشاعر السلبية تجاه هذه الفئة أكثر منها أفكار إصلاحية كما هي عادته، فعندما يقارن بين بن جلول الذي ظل يطالب فرنسا ويطالب ويطالب، وبين الفئة اليهودية التي مُنِعت من التعليم فأنشأت مدارس داخل البيوت، بماذا نريده أن ينعت بن جلول؟ هل يجب عليه أن يقول له بارك الله فيك يا سي بن جلول، طالب فرنسا بالاستقلال فإنها ستعطيكه من غير فاعلية مستحقة منك!

مقالات ذات صلة