الرأي

مغالطة تجديد الخطاب الديني

الشروق أونلاين
  • 1053
  • 0

يُرجع فريق من المسلمين انتكاستنا الحضارية وتخلفنا إلى التراث الإسلامي، ولا يتحقق نهوضنا إلا بأحد الأمرين؛ إما أن نعلن القطيعة مع هذا الماضي بكل أشكاله ومنتجاته، وإما أن نقوم بتجديده حتى يوافق روح العصر ويستجيب لمتطلبات الإنسان، وكلا الرأيين يجنح إلى التعسف والتطرف، لأنه لم يدرس تخلف المسلمين دراسة علمية مجردة من الخلفيات الفكرية والإيديولوجية، وما يجعل تجديد الخطاب الديني أو إعلان القطيعة معه شبهة تحمل المقاصد السيئة هو أن دعاته من أصحاب الفكر العلماني الحداثي في بلاد المسلمين، ولا يُخفى ما يحمل هؤلاء من عداء وبُغض للإسلام.

 تجديد الخطاب الديني مسألة ضرورية في كل زمان ومكان، ولكن ينبغي علينا أن نفرق بين التجديد والتبديد، فالتجديد يكون في الفروع وليس في الأصول، ويكون في المتغيرات وليس في الثوابت، كما أن التجديد يتناول أقوال الرجال في التفسير وشروح الحديث وبعض الأقوال الفقهية التي تعتبر اجتهادات خاصة،   والذي يؤكد أن تجديد الخطاب الديني أمر لا خلاف فيه بين علماء الأمة هو وجود ما يُسمى بالاجتهاد، وكتب الأصول طافحة بذكر المجتهد وصفاته والمساحة المخصصة له بالاجتهاد، فالمسلمون مارسوا عملية التجديد المنضبط المبني على قواعد وأسس محددة منذ فجر الإسلام إلى يوم الناس هذا،  ولا ننكر أن الأمة مرت بمرحلة ساد فيها الجمود والتقليد والاجترار لأقوال السلف دون تمحيص أو نظر، وهذا الداء كان له أثرٌ في التقهقر الحضاري للمسلمين، ولكنه ليس السبب الوحيد في تخلّفنا، فالاستبداد وقلبه الاستعمار والجهل وطغيان الفكر المادي الغربي والانحلال الخلقي… هي أسباب أخرى في تخلفنا.

وإذا كان تجديد الخطاب في هذا العصر هو محاربة الغلو والتعصب الديني لأقوال الرجال والفِرق وتصفية كتب التفاسير والفقه والحديث والعقائد من الأقوال الشاذة والمرويات الضعيفة المكذوبة، وبعض الأحكام الفقهية المرجوحة التي لا تتلاءم مع روح القرآن والسنة وطبيعة العصر، فإن هذا التجديد مرغوب ومطلوب ولا ينكره عاقل، ولا يشتغل -مع الأسف- بالتجديد بهذا المفهوم إلا القليل من العلماء والمفكرين الإسلاميين في هذا الوقت.

وأما تبديد الخطاب الديني فمعناه الإجهاز على الدين الإسلامي، وذلك بتحويل الثوابت إلى متغيّرات، والأصول إلى فروع، والإلهي إلى بشري، والمقدّس إلى دنيوي، والتبديد باختصار يعني العبث دون أي ضابط بالإسلام عقيدة وشريعة.

لقد تعالت الأصوات في الآونة الآخرة بضرورة تجديد الخطاب الديني، وحجتهم تتمثل في محاربة التطرف والإرهاب في العالم الإسلامي، والذي يجعل الأصوات أكثر ريبة وخطورة هو أنها تصدر من مراكز القرار السياسي الاستبدادي كما هو الشأن في مصر، فإذا تخندق السياسي المستبد مع العلماني الحاقد يدعوان إلى التجديد، فهو الخطر بعينه الذي يحاصر الإسلام في شموله وعدله ورحمته؛ إنهم يقصدون بالتجديد تجفيف منابع الإسلام وإفراغه من محتواه، فلا يحارب المنكر ولا يأمر بالجهاد، ولا ينتقد الحاكم المستبد، ولا نحكم على اليهود والنصارى بما حكم عليهم القرآن والسنة، ولا نفكر في الخلافة الإسلامية التي تقوم على أساس الحكم الراشد، ولا نطمع في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية خاصة ما يتعلق بالحدود.

والتجديد أو التبديد يعني أيضا عندهم أن نقطع الصلة برجال الخلف، ولا ندرس التاريخ الإسلامي إلا بما يخدم أهواء أولئك المبدّدين المستبدين، فلا عجب بعد ذلك أن يُحارَب عقبة ابن نافع وصلاح الدين الأيوبي في أرض الإسلام ويُتّهمان بـ”الإرهاب!”، ولا عجب أن تتعالى أصواتٌ تنعق بما لا تسمع خاصة في مصر تتطاول على كل ما يتعلق بالإسلام بدءاً بالقرآن ثم السنة ثم الفقه وغيرها من المباحث الإسلامية، فإسلام بحيري، وميزو، وإبراهيم عيسى، والهلالي وغير هؤلاء يطلعوننا في كل لحظة على ما يبعث على الغثيان والاشمئزاز، إنهم يحسنون الحديث عن المرض ويسيئون وصف العلاج، يتحدثون عن تخلفنا وتقهقرنا، وكل واحد منا يحسن الحديث عن هذا، ولكنهم إذا تحدّثوا عن العلاج فهم يرمون الإسلام من قوس واحدة، ويهاجمون كل رموزنا ومقدّساتنا باعتبارها لعنة التخلف التي أصابتنا، وهم لا يملكون أدنى شجاعة في أن يتحدّثوا عن الاستبداد السياسي والعمالة للخارج والفكر التغريبي وما جنى على بلداننا من مآسي، لا يتحدثون عن التجويع والتجهيل الذي يمارَس علينا بشكل ممنهج، ولو تأمّل أولئك المبدِّدون للدين لحظة واحدة لعلموا أن الأمة مبعَدة ومغيّبة عن دينها منذ أمد طويل، وقد ساهم في هذا الإبعاد الاستعمار والاستبداد السلطوي بعد الاستقلال، فاتصال المسلمين بدينهم اتصالٌ رمزي وبسيط، وهو ما يُبعد التهمة في كون التراث الإسلامي سبباً للتخلف، وما يسمّى بتجديد الخطاب الديني ليس وليد اللحظة الراهنة، ولكنه يعود إلى التفوّق الغربي منذ ظهور الثورة الصناعية، حيث سارع المسلمون المفتونون بالغرب إلى التجديد وفق الفلسفة الغربية التي عاقبت الكنيسة وفصلت بين الدين والدولة، وثبّتت العلمانية نظاما سياسيا واجتماعيا، ومن المعروفين في الساحة الفكرية الإسلامية بالدعوة إلى تجديد الخطاب الديني المفكر المصري حسن حنفي في كتابه”التراث والتجديد”، ومن جملة البهتان الذي سطّره في كتابه أن الوحي علمانيٌ في جوهره، لأن العلمانية تردّ للإنسان الحرية في الفهم والإدراك وفي السلوك والتغيير، وتجعله يرفض كل أشكال الوصاية عليه، ولا سلطة فوقه إلا سلطة العقل، ويرى أن الإلحاد رغبة في بيان الأثر العملي للأفكار ورد فعل على الإيمان المتحجّر، فمقولتا الإلحاد والإيمان عند حنفي مقولتان نظريتان لا تعبّران عن شيء واقعي لأن ما يظنه البعض على أنه إلحاد قد يكون جوهر الإيمان، وهذا غيظ من فيض من التجديد عند حنفي وغيره، فهو تهديمٌ للمسلّمات الإيمانية و”أسْلمة” للكفر والعلمانية والإباحية.

والغريب ليس ما يقوله العلمانيون ومن ورائهم الساسة المستبدون، ولكن الغريب سكوت أصحاب العمائم وشيوخ التمائم الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم حراس الإسلام وخدامه، فالأزهر مثلا الذي يعتبر مؤسسة إسلامية عريقة صار يداهن هؤلاء ويسير في فلكهم ويستمع شيوخه وهم حاضرون لمقالة السوء التي يتقولها الخراصون الآثمون فلا يدافعون عن الدين الذي يزعمون أنهم حراسه.                     

 

* إمام أستاذ رئيسي. باتنة

مقالات ذات صلة