مقاهي النخبة والمثقفين .. من إنتاج الأفكار إلى النميمة السياسية
للمقاهي تاريخ في الذاكرة الشعبية، فهي ليست فقط مجرد مكان لاحتساء القهوة والشاي، لكنها قد تتعدى ذلك لتتحوّل إلى مكان لصناعة الرأي والتخطيط، فكثيرة هي الثورات والحركات الأدبية التي ولدت وتمت إدارتها من المقاهي، لهذا قد نجد على مر العصور مقاهي خاصة بالمثقفين والنخبة والفنانين والثوار ومقاهي خاصة بالعامة من الناس، مثلما كان موجودا في الجزائر التي تفتقد اليوم للكثير من المقاهي المشهورة التي ساهمت في صناعة حركة ثقافية في السبعينات، خاصة قبل أن تنهار وتنهار معها طموحات المثقفين في تكوين حركة ثقافية رائدة..
فقلة من الناس اليوم من تعرف “اللوتس” وقلة من تعرف تاريخ مقهى “طونطو فيل” أو “ملك بار” أو حتى“مالاكوف“، ترتبط مجالس القهوة أو“القعدة” كما يقال في لغة“الشعبي” بالأجواء الحميمة والحكايات وتبادل الأخبار والأفكار والآراء، فكما يقول محمود درويش“القهوة لا تُشرب على عجل، القهوةٌ أخت الوقت تُحْتَسى على مهل القهوة صوت المذاق، صوت الرائحة، القهوة تأمّل وتغلغل في النفس وفي الذكريات” لهذا فبعض المقاهي تقدم القهوة وكأنها تقدمها لضيف وليس لزبون.
مقهى اللوتس: البيت الأثير للمثقفين أطاحت به أزمة القيم
ليس غريبا أن تقودك قدماك إلى ساحة أودان بوسط العاصمة، حيث يقابلك محل كبير لبيع الألبسة الجاهزة من 3 واجهات كبرى، في هذا المكان بالذات كان يتواجد مقهى“اللوتس” الذي اشتهر في السبعينيات ونهاية الثمانينيات من القرن الماضي، بكونه مقهى جمع العديد من المثقفين والكتاب الكبار، من مختلف أنحاء العالم، المقهى لم يعد اليوم إلا ذكرى في خيال بعض رواده من الكتاب والمثقفين الذين تفرقت بهم السبل وتجاذبتهم دروب الحياة، من هذا المكان مرّ كبار الكتاب، أمثال سعدي يوسف، محمد مهدي الجواهري، ألفرد فرج، قصي الصالح درويش، أدونيس، محمود درويش ومحمد حسين الأعرجي، وحيدر حيدر الذي كتب روايته “وليمة لأعشاب البحر” في الجزائر قبل أن تصير قضية رأي عام بمصر عندما مُنعت بعد ذلك بسنوات، من هنا مرّ أيضا الشاعر السوداني الكبير جيلي عبد الرحمان، الذي يقول عنه الطاهر بن عيشة إنه كان“المثقف الوحيد في العالم الذي استطاع اكتشاف اللغة التي كتبت بها حروف الطاسيلي“.
من هنا مرّ أيضا درويش ونزار قباني وأسماء كثيرة أخرى وكان المقهى الوحيد في العاصمة الذي يستقبل النساء بدون حرج، حيث كانت ترتاده الكاتبة الشهيرة أحلام مستغانمي وزليخة السعودي وربيعة جلطي وذاك الجيل من الجامعيات الطامحات للعب أدوار في الجزائر الجديدة المنتشية باستقلالها، في هذا المكان كانت مخابرات بومدين تطارد“الشيوعيين“، لكن الطاهر بن عيشة يذكر أنه لم يكن يسارا حقا، كان يساير الموضة لا غير، في هذا المكان أيضا استقبلت كل الحركات المناهضة والمطاردة في بلدانها الأصلية من الناصرية إلى المعارضة المغربية وصولا إلى الخمينية التي ولدت من رحمها الحركة الإسلامية فيما بعد، هنا كان يصنع الرأي العام وتدور أخبار تنصيب الحكومات وإقالاتها والنميمة السياسية، كما يلتقي الرجال بحبيبتهم، هنا ولدت حركة الشباب الجدد الذين انتفضوا على وطار وجماعته من الشيوخ، هنا كان يتم أيضا تحرير الشعب الثقافي، ومجلة أمال.. كان كل ذلك قبل زمن الانهيار الفضيع لأحلام قبل أن تزحف ثقافة البطن والأرجل التي حوّلت أشهر مقهى ثقافي في العاصمة إلى محل لبيع الأحذية.
مقهى طونطوفيل: من هنا قاد وطار مسيرة ضد انقلاب بومدين
ربما أصبح مقهى“طونطو فيل” اليوم مجرد مقهى ميت على رصيف ساحة السكوار يستعيد بعض الجاه والوجاهة فقط في أيام مهرجان المسرح المحترف، لكن من يعرفونه جيدا يذكرون أنه كان المقهى المفضل لكل الفنانين الجزائريين أصحاب الاتجاهات الناقمة على خط نظام بومدين، فيكفي أن نعرف أنه المقهى الذي قاد إليه الطاهر وطار مسيرة ضد الانقلاب على بن بلة، والمكان الذي كتب منه محي الدين عميمور تقريره في هذه الحادثة التي رواها لي عمي الطاهر رحمه الله بنفسه .
ويكفي أن نعرف أنه كان أيضا مكانا لعبور أعضاء فرقة جبهة التحرير الوطني، والمكان الذي شهد ميلاد أول جيل للحركة المسرحية الجزائرية بعد الاستقلال، حيث كان طلبة معهد الفنون الدرامية الذين يأتون للتدرب في المسرح يلتقون هناك، حيث كانت مناقشة العروض تتواصل حول طاولة شاي أو قهوة قبل أن يموت المكان بشكل مؤسف، وقد كان من قبل المكان الذي مرّت عبره السجلات النقدية في المسرح بين الفنانين العرب والجزائريين على هامش العروض التي كان بيت بشطارزي يحتضنها دوريا، وقد أدى هذا بالمقهى لتصدر واجهات الصحف الثقافية العربية في عدة مناسبات.
ميلك بار مقهى أيضا طاله التشويه
ميلك بار انتزع شرعية مكانته، كونه يرتبط بالذاكرة الثورية للجزائر عندما نفذت فيه المجاهدة زهرة ظريف بيطاط عملية فدائية عام 1956 تحت قيادة ياسف سعدي، انتقاما لمجزرة ارتكبها الكولون في القصبة ليدخل المقهى بعدها التاريخ، كواحد من أبرز المقاهي التي يرتادها المثقفون وأبناء الطبقات المتوسطة، ارتشاف قهوة في مليك بار له طعم خاص يرتبط بروح مدينة الجزائر وتاريخها، خاصة مع كون المقهى يواجه تمثال الأمير عبد القادر ومكتبة العالم الثالث، أكبر مكتبات العاصمة ملك بار فقد مؤخرا الكثير من ميزاته وأناقته بعد إعادة تهيئته، بحيث تحوّل إلى قاعة شاي عادية جدا أو محل من محلات الفاست فود، فقد ملك بار هيبته وشخصيته الحميمة التي كان يجدها الرواد من قبل .
مقاهي سيدي يحيى وبن عكنون… مرحبا بكم في أسواق النميمة السياسية
برزت المطاعم والمقاهي في بعض الأحياء الهادئة مثل سيدي يحيى، وبن عكنون كأماكن لصناعة الرأي وعقد التحالفات السياسية، فزهرة ظريف بيطاط، مثلا، سبق أن أكدت في إحدى تصريحاتها الإعلامية تعليقا عن المشاركة السياسية للمرأة، أن المرأة لا يمكنها أن تلعب دورا فاعلا في صناعة القرار، طالما أن القرارات والنقاشات المهمة لا تحسم في المجالس، لكن تتواصل إلى خارج القاعات الرسمية.. ما يعني أن المقاهي والمطاعم أيضا صارت أكثر فاعلية من الأحزاب.
إلى وقت قريب كان الكثير مما يكتب في صحافتنا تحت عبارة “قالت مصادر عليمة وأكيدة ومطلعة ورسمية” ليست في حقيقية الأمر أكثر من بعض ثرثرة هذه المقاهي، حيث بزغ مؤخرا مثلا نجم مطعم ومقهى صغير وهادئ جدا في بن عكنون يقدم وجبات إيطالية ويقع في مكان منزوي في بن عكنون، صارت تقصده الكثير من الأسماء الإعلامية والسياسية، لأنها قريبة لشخصية مهمة جدا يقصده هو الآخر رفقة أصدقائه وصديقاته. وصار البعض يذهب فقط طمعا في لقاء هذا الاسم المهم والفوز بقربه، أوربما حتى يقال فلان إنه يرتاد نفس المكان الذي يرتاده“السي فلان” الآخر، وهذا طبعا من شأنه أن يرفع أسهم هذه الأسماء في سوق التحالفات التي تشهدها دهاليز الأحزاب والمكاتب الرفيعة غداة كل موعد مهم!.
لا يختلف حال مطعم بن عكنون هذا عن المقاهي راقية مثل “كابو جينو” و“أوثر بارك” التي يتردد عليها عدد كبير من حسناوات العاصمة، إذ تعد المقاهي الوحيدة بالعاصمة التي يمكن للنساء أن يجدن راحتهن فيها ويدخنّ بشكل علني دون نظرات مريبة، كما توفر هذه المقاهي نوعا من “النارجيلا” التقليدية التي لا نجدها في غيرها من مقاهي العاصمة، وتقدم خدماتها للزبائن والرواد إلى الساعات الأولى من الصباح، في هذه المقاهي تكثر النميمة الثقافية والسياسة وهنا توزع المناصب وتنشط سوق التكهنات السياسية وتحاك المؤامرات الثقافية.
في حضور“المهمين” تتم مناقشة التحالفات والقرارات التي تفرضها الساحة السياسية، وكثيرا ما وصل إلى تلك المقاهي خبر تعيين الوزراء والمسؤولين حتى قبل أن تنزل البيانات في قاعات التحرير، حتى أن مقاهي سيدي يحيى تنصب فيها حكومة في الصباح وتقال في المساء، خاصة في المواعيد التي يكثر فيها الحديث عن تعديل حكومي والإشاعات التي تروّج في هذه الأجواء، ما تلبث أن تنتقل إلى واجهات الجرائد التي تعكس التخبط وعدم وضوح الرؤية التي يعيشها الشارع السياسي..الذي نقل مركز قراراته من دهاليز الأحزاب والمؤسسات الدستورية إلى طاولات المقاهي!