مقران أيت العربي:سيناريو تونس ومصر ليس مستبعدا في الجزائر وعلى قوات الأمن حماية المسيرات بدل قمعها
شدّد الناشط الحقوقي، مقران آيت العربي، في حوار خص به “الشروق”على أنّ النظام الجزائري تمكّن بطريقة ما، أن يركّز النقاش السياسي على حالة الطوارئ فقط، واختزل الوضع المحلي ككل في تلك الحالة، معتبرا أنّ الخطوة مبتورة وغير كافية في بلد بحاجة إلى إصلاحات دستوريّة وسياسيّة واقتصاديّة عميقة، مضيفا أنه بدل استعمال عناصر الأمن لقمع المسيرات السلمية، يجب تجنيد هذه الطاقات لضمان حسن سير المسيرة وحماية المتظاهرين، كون سياسة السياسوية والكولسة لا تخدم إلا جماعات المصالح.
-
-
= كيف تقرؤون خطوة الرئيس بوتفليقة بإلغاء لحالة الطوارئ قريبا، ومالذي تغيّر أويمكن أن يتغيّر في ظل المحافظة على حظر المسيرات بالعاصمة؟
-
== تم إعلان حالة الطوارئ بمرسوم 9 فيفري 1992 لمدة سنة، مع إمكانية رفعها قبل نهاية هذه المدة، ولكن المرسوم التنفيذي المؤرخ في8 فيفري 1993 مدّد العمل بالمرسوم الأول لمدة غير محددة، مما جعل الجزائر تعيش حالة الطوارئ منذ19سنة، ومن جهة أخرى، فقد حدثت وتحدث تجاوزات خطيرة في ظل حالة الطوارئ التي ساهمت في تقييد الحريات العامة الجماعية والفردية بقرارات وزارية أو ولائية رغم الضمانات الدستورية، لكن رفعها يمكن أن يعتبر خطوة عملية للحد من التعسف، وللذين يقولون أن حالة الطوارئ لا تمنع من ممارسة الحريات والحقوق فالجواب: لماذا حالة الطوارئ إذن؟
-
أما فيما يخص منع المسيرات بالعاصمة، فإن الأمر يعود إلى قرار الحكومة فقط.
-
= تتوعد السلطات بمنع مسيرة الثاني عشر فيفري الجاري، موازاة مع تصميم منظمي المسيرة المذكورة على تنفيذها، كيف ستسير الأمور برأيكم وإلى أي حد يمكن أن تنزلق؟
-
== إن المسيرات السلمية تدخل ضمن ممارسة الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات الدولية التي صادقت عليها الجزائر والتي يضمها الدستور، ومن ثم فإن منع المسيرات في الجزائر العاصمة ليس له أي مبرر شرعي، لأن المسيرة في حد ذاتها لا تهدد النظام العام، فبدلا من تجنيد مئات من عناصر الأمن لقمع المسيرات السلمية، فلماذا لا تجند هذه الطاقات لضمان حسن سير المسيرة وحماية المتظاهرين من أية مجموعة تحاول الاعتداء على المتظاهرين؟ فعلى السلطة أن تسمح بالمسيرات الجزائر في العاصمة، وإذا حدث أي انزلاق في مسيرة 12 فيفري، أو في أية مسيرة سلمية أخرى، فالسلطة ستتحمل المسؤولية وحدها، لأن الشعب الجزائري الذي فقد 500 شاب في أحداث أكتوبر 1988 و123 شاب في أحداث الربيع الأسود و200.000 شخص خلال العشرين سنة الماضية لن يسمح بسقوط ضحية واحدة في المستقبل، وسيطالب بمعاقبة كل من يأمر باستعمال سلاح ناري ضد المتظاهرين.
-
أما تحريض جماعة ضد المتظاهرين، فهذا يشكل جريمة ضد الإنسانية وعقابها من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
-
= هل تتوقعون استجابة شعبية قوية لمسيرة الثاني عشر فيفري؟ وبماذا تفسرون افتقار حركتي5 و22 جانفي إلى زخم كبير، بحكم اقتصارها في الأولى على شباب حديثي السن، وفي الثانية على بضع مئات من مناضلي الأرسيدي؟
-
== بالنسبة إلى الجزء الأول من السؤال، وفي غياب هيئة مستقلة لسبر الآراء، لا يمكن أن نقدر بكيفية موضوعية مدى الاستجابة الشعبية للنداء لهذه المسيرة، أما بالنسبة إلى الشق الثاني منه، فمن الصعوبة أن نفسر كيف خرج هؤلاء الشبان وكيف عادوا إلى منازلهم في ظرف قصير..
-
لقد حاولت السلطة أن تفسر ذلك بارتفاع سعر الزيت والسكر، وهذا إهانة للشباب الجزائري الذي تراه السلطة غير قادر على تقديم مطالب سياسية، وإن مجرد خروج آلاف الشباب في حد ذاته يعتبر احتجاجا سياسيا، وعلى السلطة أن تعالج ما حدث وما نجم عنه بالطرق السياسية وليس بتصريحات وزارية متناقضة.
-
= يقف وراء مسيرة السبت القادم، خليط حزبي نقابي جمعوي، هل يعني هذا أنّ فصيلا جديدا بصدد النشوء في ظلّ ما يُثار بشأن استقالة المعارضة وهيمنة ما يسمى بـ”التحالف الرئاسي”؟
-
== إن مبادئ الديمقراطية تسمح لكل فرد وجماعة ولكل حزب وجمعية أن تختار ما يناسبها من وسائل التعبير السلمي عن أفكارها وانشغالاتها. وحتى يتم ذلك في شفافية تامة أرى أنه بالإمكان فتح جميع القاعات بدون مقابل لكل من يريد أن ينظم اجتماعا سلميا لتمكين المواطنين، وبدون إقصاء، من التعبير بالوسائل السلمية عن انشغالاتهم، أما السياسة السياسوية والكواليس فلا تخدم إلا جماعات المصالح.
-
أما فيما يخص هيمنة التحالف الرئاسي عن الحياة السياسية، فأنا لا أتفق مع هذه النظرة، لأن هذه الأحزاب ما هي إلا واجهة لتزكية قرارات يتخذها رئيس الجمهورية، وإذا كانت هذه القرارات تتعلق بالمسائل الاستراتيجية فيتخذها بعد موافقة قيادة الجيش صراحة أو ضمنيا، أما المعارضة فإنها ضعيفة جدا إن لم نقل منعدمة، ومن ثم فإن الأحزاب السياسية لا تؤثر في صناعة القرار نظرا لاحتكار السلطة من طرف مجموعة محدودة في قمة الدولة.
-
= تعهّد الرئيس بوتفليقة في الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء بسلسلة تغييرات سياسية اقتصادية، ووعد بانفتاح التليفزيون الرسمي على الجمعيات والأحزاب، هل يمكن لهذا الإجراء أن تكون له نتائجه الإيجابية على راهن جزائر2011 ومستقبلها؟
-
= يقال “إن الوعود لا تلزم إلا من يؤمن بها”، وقد وعدت السلطة بإصلاحات كثيرة ولم توف بها، لأن هذه الوعود لم تكن عن اقتناع، بل جاءت لتمرير مرحلة قصد استمرارية النظام.
-
== إن التغيرات السياسية الحقيقية لا تحدث إلا بالديمقراطية ودولة القانون وخارج هذه المقاييس، سيتم فتح وغلق المجال السياسي والإعلامي وفقا للظروف الداخلية أوالدولية، فالتلفزيون مؤسسة عمومية تمّول بأموال الخزينة وينبغي أن تبقى مفتوحة لكل الأفكار والآراء وبدون إقصاء في إطار احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان وعدم اللجوء إلى العنف اللفظي، إلى جانب هذا فإن المجال السياسي ينبغي أن يكون مفتوحا بصفة دائمة في إطار الدستور، فبأي حق يمنع وزير الداخلية اعتماد الأحزاب ما دام القانون العضوي يسمح ذلك؟ وبأي حق لا تسلم وزارة العدل ووزارة الاتصال وصل طلب تأسيس جرائد ما دام قانون الإعلام يسمح بذلك؟ فالمجال السياسي والإعلامي ليس بابا لمحل تجاري تفتحه السلطة وتغلقه متى تشاء، فالحياة السياسية السليمة هي التي تسمح للشعب بأن يمنح الشرعية للأغلبية والمصداقية للمعارضة.
-
= يبدي مسؤولون في الجزائر ثقة كبيرة بأنّ الجزائر ليست تونس ومصر، من حيث اقتصار مطالب المواطنين على أسعار المواد الاستهلاكية فقط؟ ما رأيكم في هذا الحكم؟
-
== لقد قام الشباب الجزائري بعدة انتفاضات، وعلى رأسها انتفاضات 5 أكتوبر 1988 التي اعتبرتها السلطة آنذاك مجرد “شغب أطفال” وأدت هذه الأحداث إلى القضاء على نظام الحزب الواحد وتأسيس عدة أحزاب سياسية وجمعيات والإفراج عن المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين، وظهور الصحافة الحرة، ولكن السلطة عرفت كيف تسترجع كل المساحات التي فقدتها، وبخلاف ما يقوله بعض المسؤولين، فإن الشعب الجزائري خرج إلى الشارع عدة مرات ومنذ صيف 1962بمطالب سياسية، ولم يخرج في يوم من الأيام، رغم المشاكل الاجتماعية، للمطالبة بالخبز، لأن الديمقراطية والحريات هي التي تسمح للشعب باختيار مسؤوليه ومؤسساته بكل سيادة وسيعمل هؤلاء بالضرورة من أجل الاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية، لأن الشعب هو السيد وهو الذي يقرر عزلهم
-
واليوم أمام السلطة اختياران: إما أن يكون التغيير نحوالديمقراطية واحترام الحقوق والحريات وتحقيق العدالة الاجتماعية بالوسائل السلمية عن طريق برنامج جدي واضح ومحدد من حيث الزمان، وإما أن يكون عن طريق الشارع كما حدث في تونس ويحدث اليوم في مصر واليمن.
-
= قررت السلطات قبل أسابيع متابعة قضائية لـ475 متظاهر في اضطرابات الخامس جانفي الماضي، ما انعكاسات هذا الإجراء، وهل التعامل الأمني والقضائيّ هو من سيحل مشكلات الشباب؟
-
== إن حل مشاكل الشباب لا يتم عن طريق القمع والمحاكمات، ولا عن طريق الخطب، بل سيتم عن طريق فتح حوار جاد مع الشباب لتمكينهم من التعبير عن مشاكلهم واقتراح الحلول، وهذه العملية لا تتم إلا عن طريق قرارات عملية ملموسة من طرف السلطة وعلى رأسها إلغاء جميع المتابعات الناجمة عن الأحداث الأخيرة.
-
= كحقوقي مخضرم، كيف تتصورون معالم الفترة القادمة في الجزائر وهل تتجه البلاد إلى منعطف إيجابي بفعل الـ286 مليار دولار، المرصودة لمخطط التنمية الرباعي، أم أنّ الأمور ستسوء في ظلّ فداحة التسيير وعجز الساسة؟
-
== إن التنمية الاقتصادية لا تتحقق في ظل الرشوة والاختلاس والفساد بجميع أشكاله بمجرد تخصيص مبالغ مالية ولو كانت ضخمة، فالمسألة تتعلق بالدرجة الأولى بمدى ثقة الشعب في السلطة والمؤسسات ومدى احترامها للقوانين، والجميع يعرف أن السلطة فقدت مصداقيتها لدى الشعب، وخاصة بعد فضائح الفساد التي صارت تهدد كيان الدولة.
-
= هل تعتقدون أن السلطة قد سحبت بساط المطالب من تحت أرجل منظمي مسيرة 12 فيفري بمجموعة الإجراءات، بمعنى ماذا تركت للمنظمين للمطالبة به؟
-
== لا أعتقد أن السلطة سحبت بساط المطالب من تحت أرجل منظمي مسيرة 12 فيفري أو أية مسيرة لاحقة، لكون السلطة اكتفت بتصريحات ولم يتبعها أي ملموس ولا أية أجندة للاستجابة الفعلية للمطالب، فمطالب الشعب مع هذا النظام تحتاج إلى ألف مسيرة.
-
= هل من الضروري إصدار قانون جديد لمكافحة الإرهاب في حالة رفع الطوارئ؟
-
== إن القوانين الحالية، وخاصة قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية تسمح بمحاربة الإرهاب ولا داعي لقوانين أخرى، وإذا كانت المسألة لا تزال تستدعي تدخل الجيش في هذه العملية، فيكفي أن يتم تسخيره من طرف رئيس الجمهورية أو الوزير الأول، وأن يتم عمله تحت إشراف ضباط الشرطة القضائية التابعين للدرك الوطني، ومراقبة القضاء وهناك أمثلة على ذلك: فالجيش الفرنسي يتم تسخيره وقد نزل إلى شوارع باريس، لمساعدة الشرطة والدرك في المحافظة على الأمن والنظام العام وتفادي العمليات الإرهابية. فالقوانين المعمول بها عندنا كافية لتحقيق هذا الغرض.