مقصلة مريعة لـ2 مليون فلسطيني
لم يكن أي مواطن في قطاع غزة عام 2006 يتصور أن الحصار الاسرائيلي سيستمر لمدة 10 سنوات تتخللها 3 حروب كبيرة أدت إلى استشهاد أكثر من 5 آلاف فلسطيني وجرح ما يزيد عن 25 ألف آخرين، وتدمير عشرات آلاف المنازل، ودفع الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى حافة الهاوية.
ويقول الناشط الفلسطيني د. حيدر عيد إن قطاع غزة تحول من بانتوستان (معزل عرقي) بسبب اتفاقيات أوسلو 1993 إلى أكبر معسكر اعتقال على سطح الكرة الأرضية بسبب الحصار والاحتلال والانقسام، معسكر يفتقر لمقومات الحياة الرئيسية من كهرباء وماء ودواء.
وقال أدهم أبو سلمية الناطق باسم هيئة الحراك الوطني لكسر الحصار وإعادة الإعمار بغزة، إن مستوى الفقر والبطالة بعد 10 أعوام من حصار غزة قفز بشكل مُرعب رفع مستوى الفقر المدقع، فيما بات أكثر من 272 ألف فلسطيني عاطلين عن العمل، بينهم أكثر من 150 ألف عامل و100 ألف خريج جامعي بلا عمل.
وأوضح أبو سلمية لـ”الشروق” أن أكثر من 20 ألف وحدة سكنية دُمِّرت بشكل كامل مما جعل 100 ألف إنسان بلا مأوى بفعل التعنت الإسرائيلي في إدخال مواد الإعمار، وإغلاق معابر القطاع الخمسة، وفتح معبر كرم أبو سالم للبضائع التجارية فقط.
من جهته، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور ماهر الطباع ان قطاع غزة شهد ارتفاع معدلات الفقر والفقر المدقع تجاوز 65 بالمائة وتجاوز عدد الأشخاص الذين يتلقون مساعدات إغاثية من الأونروا والمؤسسات الإغاثية الدولية أكثر من مليون شخص بنسبة تتجاوز نصف سكان قطاع غزة.
وأفاد الطباع لـ”الشروق” أن نسبة انعدام الأمن الغذائي تجاوزت 72 بالمائة لدى الأسر في قطاع غزة، ارتفاع في معدلات البطالة بلغ 60 بالمائة، وحسب البنك الدولي فإن دخل الفرد في قطاع غزة انخفض في الوقت الحالي بنسبة 31 بالمائة عما كان علية قبل 20 عاماً.
وأوضح الطباع أنه بعد مرور ما يقارب من عام ونصف على وقف إطلاق النار، لم تبدأ عملية إعادة الإعمار الحقيقية. وحسب مؤسسة أوكسفام البريطانية فإن عملية إعادة الإعمار سوف تستغرق مائة عام في حال لم يُرفع الحصار عن غزة، حيث أن ما دخل من مادة الإسمنت للقطاع الخاص لإعادة إعمار القطاع خلال عام ونصف من وقف إطلاق النار لا يتجاوز 400 إلف طن، وهذه الكمية تساوي احتياج القطاع من الإسمنت لشهرين فقط.
ويعدُّ معبر كرم أبو سالم الممر التجاري الوحيد إلى غزة بعد إغلاق 5 معابر بين قطاع غزة وباقي الأراضي الفلسطينية المحتلة، ورغم ذلك أغلقت سلطات الاحتلال المعبر خلال العام الماضي على سبيل المثال مدة 133 يوم وهو ما يمثل 36 بالمائة من عدد أيام العام.
وعلى صعيد خروج البضائع من غزة، فقد بلغ عدد الشاحنات الصادرة 1269 شاحنة إلى أسواق الضفة الغربية والخارج، وهذا يمثل 25 بالمائة فقط من عدد الشاحنات الصادرة من غزة قبل فرض الحصار.
أرقامٌ تنذر بالانهيار
وقال رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان الدكتور رامي عبده إن ما خلّفته عشرة أعوام من الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ عام 2006، في شكل غير مسبوق من أشكال العقاب الجماعي على القطاع؛ تسبّب في أزماتٍ إنسانية حادّة في جميع مناحي الحياة.
وأوضح عبده لـ”الشروق اليومي” أن 40 بالمائة من سكان غزة البالغ عددهم 1.95 مليون نسمة يقعون تحت خط الفقر، فيما يتلقى قرابة 80 بالمائة منهم مساعدات إغاثية، وأكثر من 50 بالمائة من الأطفال الفلسطينيين بحاجة لدعم نفسي، فيما يعاني 55 بالمائة من السكان من الاكتئاب.
وأشار عبده استنادا إلى إحصائية أعدّها المرصد أنه نتيجة للحصار الإسرائيلي المشدد، فإن 922 ألف لاجئ في القطاع أصبحوا نتيجة للوضع الإنساني والمعيشي الصعب بحاجة للمساعدات، إلى جانب حاجتهم الملحّة للرعاية الصحية والمأوى والتعليم والحماية الأساسية والأمن…
وأكد الناشط الدولي لكسر الحصار أن القطاع يعيش انقطاعاً شبه مستمرّ للتيار الكهربائي؛ إذ وصلت ساعات قطع الكهرباء في القطاع إلى 12-16 ساعة قطع يومياً، فيما يتلقى 40 بالمائة من السكان 4 إلى 8 ساعات فقط من إمدادات المياه كل 3 أيام؛ إضافة إلى أن 90 إلى 95 بالمائة من المياه غير صالحة للشرب في غزة، فيما يصبّ 90 ألف متر مكعب من المياه العادمة يوميًا في مياه البحر المتوسط دون معالجة.
وعلى صعيد الوضع الصحي، أوضح عبده أن المشافي في القطاع تعمل بأقل من 40 بالمائة من إمكاناتها، فيما شهدت الأوضاع الاقتصادية تدهوراً واضحاً خلال تلك السنوات، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 50 بالمائة، وانخفضت الصادرات إلى أقل من 4 بالمائة مقارنة بما قبل الحصار، ويواجه القطاع عجزاً بـ100 ألف وحدة سكنية، بينما بلغت نسبة انكماش القطاع الصناعي 60 بالمائة، وتعاني 6 من كل 10 عائلات في قطاع غزة من انعدام الأمن الغذائي، 27 بالمائة انعدام حاد، 16 بالمائة انعدام متوسط، 14 بالمائة نقص في الأمن الغذائي.
وأكد رئيس المرصد أن سكان غزة يعانون من قيود مشددة على الحركة والتنقل، حيث تمارس إسرائيل سياسة الإغلاق كمنهج مستمر منذ عشرة أعوام؛ من خلال سيطرتها على المعابر، وانخفض عدد السكان المسموح لهم بالعبور عبر معبر بيت حانون- إيرز بنسبة 75 بالمائة عنه في عام 2005، وفي نوفمبر 2015، اتجهت إسرائيل لتشديد القوانين المتعلقة بمنح التصاريح لمرافقي المرضى تحت سن 55 عاماً، فيما يتم غالباً ابتزاز المرضى الذين يتمّ تحويلهم إلأى الخارج عبر معبر إيرز، إذ تستغل إسرائيل وجودهم للحصول على معلومات أمنية.
أما فيما يتعلق بمعبر رفح البري، والذي يُعدّ البوابة الوحيدة لفلسطينيي القطاع إلى العالم الخارجي، فقد تم فتحه في عام 2015 بأكمله 25 يومًا فقط، فيما لاتزال الغالبية العظمى من سكان القطاع غير قادرة على السفر عبر بوابة المعبر.
وحذر رئيس المرصد الأورومتوسطي من انهيارٍ حقيقي قد يطال جميع القطاعات في غزة إن استمر الوضع الإنساني على ما هو عليه الآن، داعياً سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى تحمّل مسؤولياتها الكاملة تجاه غزة، كقوة احتلال وفق القانون الدولي، وما يترتّب على ذلك من حماية شؤون السكان المدنيين في القطاع.
3 حروب طاحنة
وتعرّض القطاع إلى ثلاثة حروب طاحنة أدت إلى تفاقم معاناة الغزيين بشكل مخيف، وشنت قوات الاحتلال عدوانا استمر 23 يوما أواخر عام 2008 مما أدى إلى استشهاد 1440، وجرح 5450 جريحً، فيما تشرد 9 آلاف من بيوتهم وتمّ تدمير 67 مدرسة و34 مرفقا صحيا.
وكانت الحرب الثانية عام 2012 لمدة 8 أيام، سقط فيها191 شهيد و1430 إصابة.
في حين أدت حرب 2014 (51 يوما) إلى استشهاد 2174 وما يزيد عن 11 ألف جريح وتهجير 100 ألف فلسطيني وتدمير 20 ألف منزل بشكل كلي، كما طال الدمار الإسرائيلي 9 محطات لمعالجة المياه، 18 منشأة كهربائية، 19 مؤسسة مالية ومصرفية، 372 مؤسسة صناعية وتجارية، 55 قارب صيد، 10 مستشفيات، 19 مركزا صحيا، 222 مدرسة، 6 جامعات، 48 جمعية، محطة توليد كهرباء واحدة.
2016.. المخاوف قائمة
ويرى مراقبون أن فرضية أن الوضع السياسي والاقتصادي مرجّحة للتدهور في ضوء التهديدات الإسرائيلية المتزايدة ضد القطاع خلال العام الجاري، واستمرار الحصار خلال عام 2016، وفي ظل المؤشرات الحالية الداخلية والخارجية. فعلى الصعيد الداخلي، مازالت حالة الانقسام الفلسطيني مسيطرة على أرض الواقع ولا توجد مصالحة حقيقية، حتى على صعيد حكومة الوفاق الوطني لم يشعر المواطن في قطاع غزة بأي تغيرات جوهرية، ومازال المواطن الفلسطيني يعاني ويدفع ثمن عدم الوفاق واستمرار الحصار.
أما على الصعيد الخارجي، لا توجد أي حلول تلوح في الأفق؛ فالمفاوضات مع إسرائيل متوقفة ومتعثرة، والأوضاع قابلة للاشتعال مرة أخرى وفي أي لحظة في ظل التعنت الإسرائيلي، حتى على الصعيد الإقليمي فالأوضاع غير مستقرة.
كما ان استمرار الحصار المفروض على غزة منذ عشر سنوات، والتباطؤ في عملية إعادة الإعمار سوف يؤديان إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية للقطاع، وسوف تزداد الأوضاع الاقتصادية سوءا في عام 2016، ويؤدي ذلك إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة والفقر وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي يؤدي إلى انخفاض قيمة الناتج المحلي الإجمالي، وانخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وانخفاض إجمالي الاستهلاك وإجمالي الاستثمارات الخاصة والعامة.
الضحية الحقيقية هي غزة المحاصرة منذ 10 سنوات، وبيوتها المدمرة، وشبابها المعطل عن العمل، وأطفالها الذين لا يرون الكهرباء سوى 6 ساعات يوميا، ونساؤها اللواتي فقدن غاز الطهي، إن 2 مليون محاصَر بدون أمل هم ضحية الاحتلال والحصار.

