“مملكة اللا أمن” في الجزائر
أي مستقبل لشعب يعمل بعض وزراء حكومته على تجهيل أبنائه وتفكيك أمنهم اللغوي بعد أن فقدوا أمنهم الحضري والفكري والثقافي والفني عبر التسويق للمنتج الرديء؟ وأي مستقبل لحرية إعلام وتعبير تعتمد فيه مؤسسات الاعلام على 70٪ من الإشهار الأجنبي؟
ها هو الإسمنت يزحف على الأراضي الفلاحية فتشتعل نار الأسعار في الخضر والفواكه، ويصبح الأمن الغذائي مهددا بعد انكماش اقتصادي ومالي بسبب انخفاض سعر النفط في الأسواق العالمية.
ماذا يعني تشجيع قانون الغاب في الجزائر وانتشار الفوضى والتسيب وغياب “هيبة الدولة”؟
ملامح مرحلة 1992؟
رأيت في سيدي فرج شابا يحمل سيفا ويطارد آخر وهو يحتمي بالشرطة، وروى لي آخرون أن معركة “خناجر” وقعت بين مصطافين من “غرداية” ببومرداس، وحكايات أخرى مؤلمة في شواطئ الجزائر ومدنها الكبيرة.
المفارقة العجيبة أن من حملوا السلاح بالأمس يسمح لهم اليوم بالاجتماعات في الولايات السياحية لتنظيم أنفسهم سعيا لتشكيل “حزب المسلحين”، بينما الأحزاب المعتمدة التي تطالب بإنقاذ البلاد من انهيار الدولة تمنع من ممارسة حقها الدستوري أو الدفاع عن وطن يواجه أصعب مراحل الحكم فيه والأكثر خطورة مما واجهناه في جانفي 1992 نتيجة توقيف المسار الانتخابي!؟
إن القطيعة بين السلطة (حكومة وأحزابا) وبين الشعب وصلت الى مستوى ينذر بانفجار لا تحمد عقباه.
ويقول العارفون بالشأن الجزائري أن قرار التغيير أو التحول الديمقراطي بات بيد أصحاب “الثكنات العسكرية”، وهو كلام لا يبشر بخير، لأن هذه المؤسسة أجبرت على التكفل بمحاربة التهريب والمخدرات والإرهاب وإعادة الاستقرار لبعض الولايات التي أصبح مواطنوها يتقاتلون فيما بينهم أو تزكية بعض قادة أحزاب السلطة.
أمن “اللاّ أمن”؟
أي أمن لبلاد تطالب حكومتها بتجهيل شعبها حتى يفقد أبناؤها أمنهم اللغوي بعد أن فقدوا أمنهم الحضاري والغذائي والاقتصادي والمالي والأمني وحتى البيئي بعد انتشار الفوضى والتسيب وغياب سلطة “الدولة”؟
الكل يشكو للكل “اللا أمن” من القيادات العسكرية والأمنية إلى أعوان الأمن الذين اضطروا إلى التظاهر بلباسهم حتى ينتزعوا حقوقهم، والاحتجاجات صارت أسلحة في أيدي الجميع و”مهنة” من لا مهنة له؟
فهل دخلت الجزائر “مملكة اللا أمن”، فمن يريدها أن تدخل هذا النفق المظلم؟
الاعتقاد السائد عندي هو أن سياسة “ابتذال المناصب” التي ظهرت في عهد الوزير السابق شكيب خليل الذي كان يتقلّد منصب مدير ويوقع الصفقات، وفي الوقت نفسه يشرف عليها بصفته وزيرا؟ واليوم صار الوزير واليا وبات رئيس حزب في السلطة مجرد “موظف” في الرئاسة أو وزيرا مطرودا من الحكومة؟
حين يصير الأمس أفضل من اليوم ويصبح اليوم أفضل من الغد قد نتأسف على رحيل من أوصلوا الجزائر إلى ما وصلت إليه من تدن، فلماذا يحرص حكامنا العرب على أمنهم قبل أمن شعوبهم وبلدانهم؟ ولماذا لا يغلقون الملفات التي يفتحونها؟ فلو كان يحاكم الفرد محاكمة عادلة لما وصلنا إلى عدالة الأحكام بالإعدام بالجملة؟ واعتبار المصالحة وسيلة للبقاء في السلطة والدستور وجرد وثيقة لا قيمة لها.
المطلوب إنقاذ الديمقراطية في الوطن العربي
ماذا لو يتفق أعضاء مجلس الأمن على وضع مبادئ دستورية لأعضاء الأمم المتحدة للعمل بها وفي مقدمتها تحديد عهدات الحكم، وعدم الاعتراف بالدول التي تتجاوز عهدة الحاكم فيها 10 سنوات أو أعوام؟ إنه من السهل وضع بعض الدساتير النموذجية في أنظمة الحكم مثل الحكم البرلماني أو الرئاسي أو شبه الرئاسي كنماذج دولية لوضع حد للتناحر والتقاتل على أن تشرف على الانتخابات الرئاسية هيئة دولية حتى نقلص من الحروب والإرهاب والاستبداد ونكرس الأمن والسلم الدوليين، أوليس من حق الشعوب التعايش فيما بينها؟
ربما يقول البعض إنك تدعو إلى التدخل الدولي في الشأن الداخلي بالادعاء بأن لكل دولة سيادة، والحقيقة أن السيادة الممثلة في حدود الدولة دفنتها الأمم المتحدة يوم اعترفت بالكيان الصهيوني الذي يحتل فلسطين ويقود امريكا والكثير من الدول.