الرأي

مناطق الظل.. أين الخلل؟

أرشيف

فجأة طفا على السطح مصطلحٌ جديد في خطاب السلطات العمومية تجاه واقع وإدارة التنمية المحلية عبر ربوع الوطن، بعنوان “مناطق الظلّ”، ويعود الفضل في نحته إلى إرادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في تعرية الواقع المرّ لملايين الجزائريين الذين يقطنون المناطق النائية المعزولة والمحرومة أحيانا من أدنى شروط الحياة العصريّة.

رفْعُ الغطاء الرسمي عن الفشل في إنجاز التنمية المحليّة، ومنْ أعلى مستوى في الدولة، من خلال تدخّل الرئيس تبون بلقاء الحكومة مع الولاة، حرّر المسؤولين والإعلام من زيْف الخطابات الدعائية وتضليل لغة الأرقام المنمَّقة في الحديث عن واقع الجزائريين بالقرى والأرياف والمناطق الجبلية وحتى بلديات حضرية صغيرة يعيش سكانُها على هوامش المدن الكبرى، لتظهر الحقيقة عارية كما هي في الميدان دون مساحيق، حيث لا يزال هناك مواطنون محرومون من ضرورات الحياة المدنيّة، رغم إنفاق الدولة لآلاف الملايير خلال العقديْن الأخيرين.

لا نحتاج إلى تفصيل بشأن واقع التنمية المحليّة في الجزائر العميقة، على الأقل قياسًا بحجم الأموال المهدورة، لكن الأهم هو التساؤل الملحّ عن الأسباب الموضوعيّة والذاتية التي أدت إلى ذلك، وهُنا لا يمكن الوقوف على كل المسببات والخلفيات التي ترتبط أصلاً ببِنية الإدارة الجزائرية، إذ تفتقد السلطات المنتخبة محليّا إلى صلاحيات تجعل منها أداة فعلية للتنمية، ناهيك عن تراكمات وتعقيدات متشابكة منذ عقود.

لكن حتّى في إطار تلك السلطات القانونية المحدودة، فإنّ أداء المنتخَبين والجماعات المحلية يبقى ضعيفًا جدّا بإقرار الحكومة نفسها، مقارنة بالإمكانات المتوفرة، ونعتقد أنّ السبب الرئيس في ذلك يعود إلى تغييب الإرادة الشعبية التي تجعل من تقلّد المسؤوليات استحقاقًا انتخابيًّا بمقاييس النتائج والرضا العام للمواطنين.

أما إذا غابت معايير الأداء والإنجاز الميداني كمقياس لتبوّإ المناصب العامّة في كافة المستويات، ومن ثمّ عدم خضوع المسؤول إلى التقييم الشعبي والحساب الانتخابي، بفعل آفة التزوير التي تجعل من المسؤولية مكافأة خاصّة وفق اعتبارات أخرى، فإنه من الطبيعي حينئذ أن تكون النتائج هزيلة، لأنّ خدمة الصالح العامّ ليست ضمن أولويات وهُموم كلّ مسؤول وصل إلى مبتغاه عبر التزوير خارج الإرادة الشعبية، أو التعيين البيروقراطي الفوْقي، وفق اعتبارات المحاباة والجهويّة والعشائريّة وعُصب الفساد.

لقد أثبتت التجربة أنّ هذا الصنف من المسؤولين المحليين والمركزيين على السواء، لا يصلحون لا في العير ولا في النفير، ولا أثر لهم في الأداء الميداني ولا حضور لهم أمام الشعب، إذ يفتقدون إلى أدنى أبجديات الاتصال السياسي الحكومي والتواصل مع الرأي العام، لذلك كثيرا ما تُحدث خرجاتهم الإعلامية القلاقل في الأوساط الاجتماعية وتصنع الجدل الاحتجاجي، بحكم ضحالة مؤهِّلاتهم في إدارة الشأن العام بكل ما تستوجبه من استحقاقات.

صحيحٌ أنَّ الطبقة السياسية الحاليّة، بأحزابها وجمعياتها، لا تصلح في عمومها نموذجًا للقياس، لكن وجب الإقرار أنّ المسار الطبيعي لتقليد المسؤوليات هو التنشئة السياسية الحزبية الجمعوية العميقة، المرتبطة بالنضال النزيه وحمْل همّ التغيير العامّ، من خلال ما تفرزه صناديق الاقتراع الشفاف، أمّا في حال بقاء منطق التعيين طاغيًا فلا أمل في تحسّن الأوضاع.

إنّ رئيس الجمهورية، وبحكم تدرُّجه في كافة مواقع سلطة القرار، يُدرك أكثر من غيره أنّ التوجيهات الحكوميّة والإرادة الجادّة في تحقيق تطلعات الجزائريين لن تعرف طريقها نحو التجسيد حتى مع رصد الأموال الطائلة، إلاّ إذا تجنّد لها رجالٌ أكْفاء صادقون منبثقون من عمق المجتمع.

لعلّ الفرصة مواتية الآن، ونحن على أبواب انتخابات برلمانية ومحلية مبكرة وفق الأجندة الرئاسية، أن نعيد الاعتبار للفعل الانتخابي الحرّ، لأنّ ذلك سيُنهي كل تجليات الأزمة، حتى نستدرك جزءاً من الوقت الضائع على بلادنا في مستهدفات التنمية.

بالمقابل، وجب استغلال رغبة الحكومة في مراجعة قانونيْ البلدية والولاية الذي كشفت عنه وزارة الداخلية مؤخرا، في اتجاه تعزيز سلطات المنتخب ومعالجة الإختلالات في علاقته بالإدارة، حتى تكون البلدية بالفعل هي “القاعدة الأساسية” ضمن أدوات التنمية للدولة.

مقالات ذات صلة