منتخبون ضدّ الشعب!
يُروى والعهدة على الراوي، أن محتجّين في ولاية الأغواط، رفضوا ملاقاة النواب الذين نزلوا إليهم للاستماع إلى انشغالاتهم ونقل مشاكلهم، وهو نفس الطريق الذي سلكه أبناء الجنوب لولاية ورڤلة، عندما رفضوا اختراقهم من طرف نواب زاروا المنطقة لامتصاص الغضب وإخماد نيران الاحتجاج الذي كان سلميا، ونموذجا للحركات التي تحتج حضاريا وبعيدا عن التكسار وإشعال النار!
ليس غريبا أن يُطرد النواب، وتموت الثقة في نفوس الشباب والمواطنين، بالنسبة لعلاقاتهم الباردة والميتة مع نواب ومنتخبين، يبدؤون عهدهم الانتخابية برفع لوائح مستعجلة تطالب بمضاعفة الأجور والمنح، وينهون نفس العهد برفع لوائح مستعجلة أيضا لرفع تعويضات آخر الخدمة، رغم أنهم قضوها في “التحواس والتشماس!”
نعم، لا ينبغي وضع كلّ النواب والمنتخبين المحليين والولائيين في “شاشية واحدة”، فمنهم من لا يُغادر مقرّ إقامته ويبقى في الاستماع إلى مشاكل مواطنيه، حتى وإن لم يكن بيده قرار وسلطة التغيير والاستجابة للمطالب المشروعة، لكن بالمقابل، هناك نوع آخر من النواب والمنتخبين، يسارعون إلى تغيير عناوين إقامتهم وأرقام هواتهم حتى يستريحوا من “تكسار الرّاس!”
أخطر ما تواجهه الجزائر العميقة هذه الأيام، أن الأميار الجُدد والمجالس المخلية، مازالت غارقة في “شهر العسل”، ومازالت غارقة في مستنقع تصفية الحسابات، واستئصال حاشية السابقين، واستبدالها بحاشية جديدة و”بطانة سوء” أخرى كفيلة بالانتقام وخدمة “الملك” الجديد!
تحيّة عرفان وتقدير إلى شباب الجنوب، الذي رفض التحاور مع “نوابه”، لأن الخبرة والتجربة الطويلة والمريرة، أثبتت له أن النواب لا يتحركون إلاّ في الوقت بدل الضائع، وهم بذلك كلاعب الاحتياط الذي يسجّل الأهداف ويمزّق الشباك، لكن بعد انتهاء المباراة وانصراف المنافس وطاقم التحكيم وبعد مغادرة المناصرين المدرّجات!
مازال النائب والمنتخب – وليس كلهم طبعا – في نظر “الزوالية” كائنات غريبة قادمة من زحل أو المرّيخ، وأنهم “ما يحكـّو ما يصكـّو ما يفكـّو”، ولو كان الأمر عكس هذه النظرية المؤسفة، لما خرج المحتجّون إلى الشارع في اعتصامات ومسيرات وتجمهرات، وإنـّما لاكتفوا بتبليغ نوابهم وأميارهم ومنتخبيهم بمشاكلهم ومطالبهم، لتـُطرح وتحلّ انشغالاتهم في المجالس المنتخبة وفي البرلمان وليس عبر الشارع!
نعم، خروج الغاضبين إلى الشوارع كطريق وحيد لإسماع آلامهم وآهاتهم، تتحمله أيضا الحكومات المتعاقبة، التي لا تتحرّك هي الأخرى إلا وفق نظرية الأثر الرجعي، وفي كثير من الحالات تموت المطالب بالتقادم، وإن كانت سرعة وتنامي الحركات الاحتجاجية “الشعبية”، أجبرت السلطات العمومية على مراجعة حساباتها واستراتجيتها في التعاطي مع غضب المواطن، والاستجابة لمطالبه حتى وإن كان بالتقسيط المملّ!
لكن، المسؤولية يتحمّلها كذلك نواب وأميار ومنتخبون، لا يعرفون من أين تـُأكل الكتف، ومنهم من دخل البلدية أو البرلمان عن طريق الصدفة، أو بغرض تسوية مصالح شخصية وعائلية ضيّقة، ومنهم من دخلها بهدف الانتقام، ولذلك لم يعد ينتظر المواطن لا جزاء ولا شكورا من منتخبيه، ويفضّل النزول إلى الشارع عوض التوجه نحو مكتب “المير” أو مداومة النائب، فهما إمّا غائبان وإمّا “ماعندهمش الوقت!”