-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

منجمنت عصر المناجم

عمار يزلي
  • 36
  • 0
منجمنت عصر المناجم

بدأ العصر الحديث باكتشاف الوقود الحجري، ليضاف إلى الاكتشافات الأولى منذ العصر البرونزي. في كل هذا، كانت المعادن هي معدن التحول في مسار الحضارات الإنسانية، وصولا إلى النفط، وما بعد النفط من طاقة نووية وشمسية.

ثلاثُ ركائز أساسية بنى عليها العالم الحديث أسسه: مصادر الطاقة المتنوعة بتطور المهارة الإنسانية، والوصول إلى مصادر استخراج المعادن بمختلف أشكالها وأنواعها، ثم التسويق والتجارة بكل طرقها وآلياتها. هذه الركائز، وإن بدت قاعدة بمتغيرات ثابتة، إلا أن التطور الذي حصل في كل أشكال هذه الركائز، لا يزال مفتوحا على كل البوابات التي بدأت بالفعل في التحول الجذري.

التوجُّه العامُّ اليوم في مجال “اقتصادات التبادل والزينة”، الذي بقي قرونا محصورا ومقتصِرا على المعادن الثمينة من فئة الذهب والفضة وصناعة الحليّ والمجوهرات والأحجار الكريمة، يتجه اليوم إلى نموذج جديد من البحث المنجمي عن أنواع جديدة من المعادن الثمينة التي لا تقاس بثمن: فئة جديدة من المعادن لم تكن معروفة ولا مطلوبة، متمثلة في معادن جديدة تضاف إلى الذهب والفضة، التي تُستعمل خاصة في مجال الاتصالات والحواسيب الدقيقة وفي عالم الفضاء والأسلحة الجديدة.

عناصر معدنية، تشكل اليوم عصب صراع عُصب الأمم الكبرى المتطورة تكنولوجيًّا. الكل بات اليوم يعرف مسألة ما يسمى “الرقائق”، التي تدخل في صناعة وهندسة الذكاء الاصطناعي، وفي أغلب مكوِّنات وسائل الاتصال التي تغمر العالم الحديث سواء في الصناعات المصنّعة أم الصناعات الاستهلاكية. الكل بات يدرك أن من يتحكم في مصادر هذه المعادن ومن يتحكم في طرق تسويقها ونقلها وتوظيفها، من شأنه أن يقرع جرس التفوق في سباق المنافسة الاقتصادية والتجارية العالمية.

من الصين إلى الولايات المتحدة، المتزعمتين لتكنولوجيا الرقائق المعدنية وتكنولوجيا الاتصالات والتعدين الصناعي، يبدو السباق بين الدول نحو الدخول عالم القرن الـ22 من هذا الباب أساسا: وعليه، يبدو الصراع بن القوى الاقتصادية والتجارية الكبرى مبنيا أساسا على التنافس على الريادة في هذا المجال. هذا فيما بدأ الصراع يتجه نحو عسكرة التبادل وتحول التدخلات الدولية في شؤون دول أضعف، أشبه ما يكون بعصر الاستعمار الأول ثم عصر الحماية السياسية، الذي هو الوجه الآخر للاستعمار المباشر.

تحوّلت الدول الضعيفة بنيويًّا، إلى مصادر لهذه المعادن الجديدة، ومنبعا للربح والتنافس العالمي ولكن أيضا للاستغلال والاستنفاد وحتى الابتزاز: من الأورانيوم المستخدَم في الطاقة النووية والسلاح النووي، إلى مختلف المعادن النفيسة كالذهب والفضة والبلاتين والبلاديوم والجرمانيوم والغاليوم والإنديوم المستخدَمة في الرقائق الإلكترونية، باتت دول القوى الاقتصادية الكبرى على بوابة التصادم سواء من خلال حروب مباشرة أم تنافس اقتصادي تجاري حاد يبلغ حد فرض العقوبات والمنع والقرصنة. كما أن هذا التنافس طال البلدان الضعيفة تكنولوجيًّا، وصارت هذه الأخيرة محلّ أطماع وضغط من أجل فتح “مجالها الجوفي” للاستغلال المنجمي، بحثا عن هذه المعادن الثمينة. نرى هذا إعلاميًّا في أوكرانيا مع مطالب الرئيس الأمريكي لها بمزايا منجمية ذات صلة، ولكن هناك أماكن أخرى غير مسموعة وغير مرئية، لكنها في قلب الابتزاز والاستغلال باسم كل العناوين والأسماء: تعاون اقتصادي، تبادل تجاري، حماية سياسية وأمنية، شراكة استراتيجية وما شابه. عناوين مختلفة لكن الهدف واحد ومعروف: الاستغلال حد الاستنزاف.

الجزائر، واحدة من الدول التي عرفت وفهمت هذه المعادلة مؤخرا وتعمل، إضافة إلى استعادة روح الاستغلال المنجمي التقليدي الذي كاد أن يُنسى على قِدمه من أجل وقوف اقتصادها على قدميه، تعمل على كسب هذا الرهان تحت عنوان “الاستغلال الاقتصادي السيادي”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!