الرأي

منها كانت البداية فهل فيها تكون النهاية؟؟

صالح عوض
  • 4228
  • 5

في تونس، انطلقت ثورة الياسمين التي كانت أقرب للخيال منها للواقع، والتي فاجأت الجميع مع أن مؤهلاتها مستوفاة تماما.. في تونس كانت شرارة ما يسميه كثيرون بالربيع العربي واندلعت شعارات ثورة الياسمين في بلاد العرب لتكوين مرحلة جديدة في المصطلحات والأهداف والتحالفات.

وأعطت صناديق الانتخابات الإسلاميين حصة كبيرة في المجلس التأسيسي، وأصبح راشد الغنوشي، رقما سياسيا كبيرا وتوزع الإسلاميون وأقاربهم حقائب سيادية لأول مرة في تونس العلمانية.. وفهم الإسلاميون أن عليهم التعاطي مع الخطوط الإستراتيجية العامة للسياسات الغربية، وأن يحدثوا تفاهمات عميقة معها لكي يتجنبوا عملية التفاف قد تودي بمشروعهم.. ومن هنا أسرع الشيخ راشد الغنوشي، إلى زيارة قطر لتقديم الشكر للشيخ القرضاوي ولأمير قطر، ولم يتوقف الأمر عند ذلك فكان أن توجه إلى واشنطن للالتقاء بأعضاء ناد سياسي هناك معظم المتنفّذين فيه من اليهود الصهاينة، ومن هناك أطلق الشيخ راشد تصريحات يدعو فيها الغربيين للحوار وللتفاهم مع الإسلاميين، مؤكدا بأن الإسلاميين عقلاء ويتفهمون علاقات المصالح المشتركة.. ووجهت قيادات نافذة في حركة النهضة رسائل واضحة إلى الغرب بأنهم يلتزمون بكل التفاهمات التي سبق أن قطعوها على أنفسهم، وهنا لابد من التأكيد على أن الاتحاد الأوروبي ومواقع الرأي والقرار في الغرب رحّبت بفوز الإسلاميين في تونس.

إلى هنا الكلام سياسي بحت.. ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد، بل ذهب الشيخ راشد إلى التأكيد بأنه لا يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية والذي اعتبره أنه يفرق المجتمع التونسي.. فهل استطاع جميع ما شاهده الناس وسمعوه علنا وأمام الملأ أن يجنب حركة النهضة الانتقادات اللاذعة والاحتجاجات القريبة من ثورة.. وتنامي الرفض في مواجهتها من قبل العلمانيين والإسلاميين السلفيين.

في تونس، وفيما كان الإسلاميون منهمكون في ترتيب حكومتهم وتعيين الوكلاء والمديرين  ويتكيفون مع البريستيج الجديد، كانت جماهير من الشعب التونسي تسير في شارع الحبيب بورقيبة، تهتف لفلسطين مؤكدة على كلمة السر أن الشعب يريد تحرير فلسطين.. فالتقط الشيخ راشد الرسالة وصرّح بأنه لا يقبل التطبيع مع إسرائيل..

منذ فترة ليست قصيرة يواجه حزب حركة النهضة الإسلامي، تحديات كبيرة فعلى صعيد المكون السياسي التونسي من غير الواضح اصطفاف الحزب إلى اليمين أو اليسار، بمعنى أن سياسة الحزب الاقتصادية تعتبر تواصلا مع سياسة النظام السابق التي تعتبر مناخ طبيعي لتولد الطبقات الفقيرة والمعوزة.. وهكذا بدأ يعلو صراخ الجوعى والبطالين والطبقات المحرومة مطالبة بسياسة اقتصادية تتوخى العدالة الاجتماعية، وتوفير المساواة في الفرص وبناء اقتصاد وطني يحمي القوة الشرائية للطبقات الفقيرة، ويرسي معالم اقتصاد الاكتفاء الذاتي في عناصره أولية. في تونس تم حرق راية حركة النهضة أمام الشرطة، واتهم المتظاهرون ما أسموه بمليشيا الحزب الإسلامي بأنه شارك البوليس قمع المتظاهرين وتعذيبهم وأنه أعلن بذلك عن حقيقة طبيعته الإقصائية والقمعية..

 في تونس بدأت تجربة ربيع الشعوب العربية، إلا أن حركة النهضة التي وقع عليها من تعذيب النظام السابق الشيء الكثير لم تكن قد طورت من برامجها البديلة الأمر الذي انكشف للشارع منذ الأيام الأولى.. وهنا تتجلى حقيقة أنه لا يكفي أن تكون الحركة والحزب موضع ابتلاء قهر النظام، وأن يكون قادتها قد شردوا وعذبوا وابتلوا بلاء عظيما كي تتقدم وتقود الصفوف.. فالمسألة هنا لها علاقة بالمتجدد من الأفكار والبرامج.

لقد كان على الحركة الاسلامية في تونس، أن لا تستعجل أمرها فالشعب التونسي لازال بحاجة من جهة إلى تعميق هويته العربية الإسلامية من خلال برامج تثقيف واسعة تعتمد كل الوسائل الملائمة، وبحاجة أن تتأطر حركة النهضة في جو من الحرية والنشاط العلني المنفتح على أحداث التطور الطبيعي..

إن هناك أزمات متلاحقة أمام حركة النهضة التونسية، وأنها تعاني داخليا وفي محيطها كما تعاني الحركات الإسلامية في أكثر من مكان ضنكا شديدا وترددا وفوضى، بعد أن حققت انتصارات أولية.. في إسقاط النظام في تونس، يبدو أن هناك خطوات كبيرة وشاقة كي تنجح تجربة النهضة كما أن فشلها سيكون رسالة كبيرة لبقية التجارب، فهل يستدرك النهضويون التوانسة ما فاتهم؟؟

مقالات ذات صلة