من مامي إلى ماسياس؟
المعركة المندلعة حول سرير الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، من أجل الجلوس على الكرسي الذي لم يشغر بعد، أو اختيار الجالس الجديد، أخذت أبعادا متشعّبة وصارت أعقد الآن من أزمة الجزائر نفسها، ففي الوقت الذي حوّلها الوزير الأول عبد المالك سلال، إلى طُرفة فهمها الجميع اطمئنانا كاملا من الوزير الأول، على صحة الرئيس إلى درجة أنه قال نهار أمس، لصحفية في مدينة باتنة، سألته عن صحة الرئيس بالقول أنه أحسن منها، وعندما ألحّت على معرفة مكانه رد عليها بسؤال طريف: “هل تريدين الزواج منه؟”.
في هذا الوقت مازالت أطراف تلعب في كل مكان في غياب اللاعب الرئيسي وهي الدولة، فبعد مهزلة الشاب مامي، الذي خلف الناطق الرسمي باسم الرئاسة ورئيس الحكومة ورئيس المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، وقدم للجزائريين بشرى تواجد الرئيس عام 2006، في صحة جيدة، جاء دور الفنان الصهيوني أنريكو ماسياس، صاحب أغنية “فرنسا الصبا” ليطمئن الجزائريين بتكذيبه لمعلومات قيل أنه أدلى بها من الدوحة، عن تدهور صحة الرئيس، وطمأنهم بالقول أنه لم يزره في المستشفى، ولم يتمكن من مكالمته هاتفيا وقلبه على الرئيس الذي يقود البلد الذي ولد فيه، والسيّدان الوزير الأول عبد المالك سلال، ووزير الداخلية دحو ولد قابلية، لاحظا نهار أمس، من مدينة باتنة شغف الجميع بالسؤال عن صحة الرئيس، أكثر من سؤالهم عن الغلاف المالي المنتفخ الذي اصطحبه الوزير الأول، وتشكيلته الحكومية لأجل بعث مشاريع تنموية في عاصمة الأوراس.
ومع ذلك ما زالت الدولة عاجزة عن تقديم ما يشفي غليل الفضول، ويطفئ نار الخوف التي بدت على الكثيرين، خاصة أننا نسير نحو شهر من الزمن، منذ أن أعلن الوزير الأول، ذات سفرية قادته إلى بجاية عن توجه الرئيس إلى فرنسا للعلاج، وقال حينها أنه سيعود بعد بضعة أيام، في بلد فقدنا فيه التأريخ الدقيق فاختلطت الأيام بالشهور واختلطت فيه الجغرافيا الصحية علاجا ونقاهة بين فرنسا والجزائر.
لم يقدم الشاب مامي للجزائر أي شيء، رغم أنه أخذ منها كل شيء، وحتى بعد أن تورّط في قضية أخلاقية زجّت به في غياهب السجون، رحمته ووقفت إلى جانبه في محنته حتى استرجع كل معنوياته، ومع ذلك منحته السلطة شرف أو كلفته بمسؤولية أن يقول لخمسة وثلاثين مليون نسمة ما بحثوا عنه، ولم يقدّم ماسياس في حياته سوى للمشروع الصهيوني فكان يغني لليهود، وحتى عندما يذكر مسقط رأسه يسميه بفرنسا الطفولة، ومع ذلك سألته الصحافة العربية عن صحة الرئيس عند تواجده في الدوحة، فوثقت في كلامه ولم تثق في الخطابات العديدة التي تداول عليها الوزير الأول، والكثير من الوزراء ورؤساء الأحزاب في الجزائر.
القول بأن رئيس الجمهورية، مريض هو جملة غير مفيدة وناقصة، لأن الحقيقة أن الشعب كله في حالة مرض، والفارق أن لا أحد تكفّل بصحة الشعب لا في “فال دوغراس” ولا في غيره، ولا أحد اطمأن وطمأن على صحته لا مامي ولا ماسياس ولا غيرهما.