من الصحراء الغربية إلى القفطان
قبيحٌ أن تُرجع بعض الدول انتصاراتها إلى المساعدة القوية لدولة أخرى، والأقبح أن يكون هذا “الانتصار” مجرد وهم، يغالط الشعب ويمنح الدولة المساعِدة، شكرا على شيء لم تنجزه أصلا.
في قضية عرض قضية الصحراء الغربية على مجلس الأمن، قدَّم المخزن لشعبه شرحا خاطئا للقرار الأخير، وأخرجهم من بيوتهم للاحتفال، حتى إن بعضهم حمل علم الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب المبالغة في شكر بلد كان صاحب القلم في محاولة الدفع بالقضية إلى الحكم الذاتي. والمشكلة، أن المغاربة الذين تغنّوا منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني، بوهم “الصحراء في مغربها، والمغرب في صحرائه”، عادوا الآن ليُسبِّحوا باسم الولايات المتحدة، ويحمدوها دون أن يُشركوا بها أحدًا، بما في ذلك أنفسهم في قضية ظلوا يروِّجون بأنها سيادية، ووجب حسمها بأيديهم.
ما حدث في قضية القفطان أيضا، كان مشابها لما حدث في قضية الصحراء الغربية، فقد أبى المخزنيون وصحافتُهم إلا أن يوجهوا الشكر للإمارات العربية المتحدة، وقالوا إن وقفتها معهم في قضية القفطان لن ينسوها، في تبعيةٍ غريبة توحي بأن هذه المملكة لا تمتلك شيئا، وإذا أرادت أن تمتلك أرضا أو تراثا، مدّت يدها لهذا الكيان أو ذاك.
ربما تفهَّمنا تدخُّل ترامب في قضية الصحراء الغربية، وحمل القلم في الأمم المتحدة دعما لمشروع الحكم الذاتي؛ فالرجل سبق له وأن غرّد، فوجد التغريد كله من بلاد مراكش، للكيان الصهيوني، وعندما عاد إلى الحكم اكتشف المملكة مع “الكيان” ظالما أو مظلوما، فحاول أن يساعدها على تحقيق حلم العمر، في ضم الصحراء الغربية، ولو على الورق والخرائط الملوَّنة. لكن، أن نتفهَّم دعما لقضية تراثية ومن دولة هي في الأصل في حاجة لتثبت وجودها في التراث العالمي، فذاك ما يُدخل المملكة في جنون البحث عن الذات، بعد عقود من الكذب على العالم.
عندما أطلق وزير الدعاية النازي، جوزيف غبلر، مقولته الشهيرة التي أيدها هتلر: “اكذب ثم اكذب حتى يصدِّقك الناس”، لم يكن يظن أن تنتقل الجرأة أو الوقاحة، إلى الكذب في حضرة أهل الحق، إلى درجة أن أهل مراكش يغنون في انتصاراتهم الكروية: “مبروك علينا هاذي البداية، ومازال مازال” ويقولون إنها “أغنية مغربية” وهم يعلمون جميعا، أنها لصاحبها الراحل رابح درياسة.
تمنّينا في الأشهر الأخيرة، أن يعود أهل مراكش إلى رشدهم أو على الأقل يدوسوا على مكبح نزولهم السريع إلى الأسفل، ولكنهم زادوا من سرعة سقوطهم، وصاروا في كل خطوة يتظللون بعلم كيان من كيانات الدنيا، في محاولة للمساس بجغرافية وتاريخ المنطقة وليس الجزائر فقط.
طالبت بلادٌ كثيرة بأراضيها، وطالبت بلاد أخرى توسعية بما لا تملك، وسعت بلدان كثيرة لامتلاك حقها من التراث غير المادي، وحاولت أخرى امتلاك ما لا يحقُّ لها، ولكن الطرق التي تسلكها مملكة مراكش فاقت التصوّر بإدخال تغريدات وشخصيات من بلاد بعيدة جدا هي أصلا متورطة في ابتلاع الجغرافيا وتزوير التاريخ.
لسنا ندري كيف يشعر المغربي الحرّ، عندما يوهمونه بتمكُّنهم من إقرار الحكم الذاتي في الصحراء الغربية بفضل الولايات المتحدة الأمريكية، ويوهمونه باعتراف اليونيسكو بمغربية القفطان وأيضا بفضل الإمارات العربية المتحدة؟