من الصلابة إلى السيولة… كيف غيّر “باومان” نظرتنا إلى العالم؟
في زمن لم يعد فيه شيء يستقر طويلا على حاله، برز عالم الاجتماع البولندي “زيغمونت باومان” ليصوغ توصيفا أصبح علامة مميزة على عصرنا: الحداثة السائلة، هذه الكلمة، تحمل في ذاتها صورة جليد في طريق الذوبان لا يمكن تثبيته على شكل واحد، وهو بالضبط ما أراد باومان الإشارة إليه في كتابه؛ عالم تتبخر فيه اليقينيات كما يذوب الملح في الماء، ويتحول فيه الاستقرار إلى حلم بعيد المنال.
كان “باومان” يرى أن المؤسسات الكبرى التي شكّلت الحداثة الصلبة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ـ الدولة الوطنية، المصنع، الحزب السياسي، الأسرة، وحتى الأيديولوجيات الشاملة ـ تراجعت تحت ضغط العولمة والتكنولوجيا وثقافة الاستهلاك، فالإنسان لم يعد يجد في تلك القلاع ما يمنحه الطمأنينة، حيث صار يعيش كما السابح الذي يتمسك بموجة قبل أن تلقي به إلى أخرى، وقد لخّص لنا ذلك بقوله: إذا كان الحداثيون الأوائل يعتقدون أن المستقبل سيجلب الطمأنينة، فإن الحداثة السائلة جعلت المستقبل مصدر قلق دائم.
ولعل أبرز ما يكشف عن هذا التحول ما يظهر في حياتنا اليومية من تغيرات سريعة سائلة، لنأخذ مثلًا سوق العمل في العالم العربي: قبل عقود، كان الموظف يدخل إلى مؤسسة عمومية في أي دولة منه، ليقضي فيها عمره حتى التقاعد، معتبرا الوظيفة قدرا ونهج حياة، أما اليوم، فصار كثير من الشباب يتنقلون بين وظائف مؤقتة: عقد قصير في مؤسسة، ثم عمل حر عبر الإنترنت، فمشروع ناشئ ينهار بعد عامين أو أقل، وكأن هذه السيولة في التنقل، والتجريب المستمر صارت بديلا عن الاستقرار، رحلة مفتوحة من عقد مؤقت إلى عقد مؤقت، وربما من بلد إلى بلد آخر، وهذا ما جعل “ريتشارد سينِّت” يتحدث عن “تآكل الشخصية”، حين يتحول العمل المرن من وعد بالحرية إلى عبء جديد من عدم اليقين.
الأمر نفسه يظهر في العلاقات الإنسانية، ففي جيل آبائنا، كان الحب والرابط الاجتماعي يُبنى على الاستمرارية، مهما كان نصيبه من التعب والإرهاق والتصدع، أما اليوم، فقد أصبح خاضعا لقوانين السوق: سريع الدخول، سريع الانتهاء، محكوما بالرضا اللحظي لا بصلابة الالتزام، وقد زادت وسائط التواصل الاجتماعي من سرعة هذا الإيقاع، فأصبح الانفصال بلمسة زر، بلا مواجهة ولا اعتذار، فأصبحنا نعيش كما قال أنتوني غيدنز، “العلاقة النقية” التي تُبنى على المتعة اللحظية وتنتهي حالما تتبخر !
حتى السياسة في عالمنا العربي لم تفلت من هذه السيولة، فالحكومات تتعامل مع السياسة بوصفها إدارة آنية للأزمات، كل شيء يُدار بقرارات قصيرة الأجل، من دون أفق طويل، أو استراتيجية واضحة أو بعد نظر أو تخطيط مستدام، أما المواطن، فقد صار يدرك أن الخطابات الانتخابية والوعود الإصلاحية أشبه بالعروض الترويجية في الأسواق: صالحة لفترة محدودة، وسرعان ما تختفي، بل وكل شيء أصبح عنده بمقدار، من دون تعلق أو كثرة أمل.
إزاء هذا المشهد، يطرح سؤال عميق نفسه: هل السيولة قدر لا فكاك منه؟ هنا يطل المنظور الإسلامي ليقدّم جوابا مختلفا وناضجا. فالقرآن يذكّر الإنسان بأن ما يراه من تغيّرات إنما هو مظهر من مظاهر الدنيا العابرة: “فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى”، ففي التصور القرآني السيولة ليست قدرا مطلقا، ولكنها وجه من وجوه الدنيا الزائلة، في مقابل وعد بثبات أزلي فيما عند الله.
ثم إن الإسلام لا يترك الإنسان معلقا في الفراغ، وإنما وضع له ما يشبه “خطوط الطول والعرض” التي تحفظ الاتجاه في هذا البحر المتلاطم من قديم عَلِمَه وجديد غير مدرك لمآلاته، وهي سنن الله الكونية التي لا تتبدل: “فلن تجد لسنة الله تبديلا”، فبينما تتغير أشكال الاقتصاد والسياسة والعلاقات المختلفة والرغبات والأماني والتطلعات..، يبقى هناك نظام ثابت يحكم حركة الكون والتاريخ، يمنح الإنسان اليقين في عالم يذوب من حوله.
وإذا كانت الحداثة السائلة تهدد بانهيار الهوية، فإن الإسلام يذكّرنا بالفطرة باعتبارها مرساة داخلية لا تتغير مهما تبدلت الظروف: “كل مولود يولد على الفطرة”. هنا يصبح الثبات جزءًا من تكوين الإنسان، وليس مجرد خيار خارجي، وحتى العبادات اليومية، مثل الصلاة بخمس أوقاتها، ليست طقوسا شكلية، ولكنها تدريب عملي على تثبيت الإيقاع وسط عالم مسرع.
بهذا المعنى، يمكن أن نقرأ أفكار باومان لا كتشاؤم محض، وإنما كجرس إنذار يوقظنا من وهم الاستقرار في دنيا متغيرة، والمنظور الإسلامي يقدّم لنا الجواب العملي: أن الثبات لا يوجد في الخارج، ولكنه يُزرع في الداخل؛ في الفطرة، في السنن، وفي ممارسة يومية تحفظ للإنسان توازنه وسط تدافع الأضداد.
بهذا المعنى، تغدو الهواجس التي عبّر عنها باومان في الحداثة السائلة مدخلًا لحوار مع الرؤية الإسلامية: باومان يشخّص هشاشة الواقع، والإسلام يقدّم جوابا يرسّخ الثبات في قلب السيولة.