الرأي
قراءة في السياسة التعليمية الفرنسية وإصلاح المنظومة التربوية:

من الفرنسة الاستعمارية إلى بناء المدرسة الوطنية

عومر بن عودة
  • 99
  • 0
ح .م
صورة تعبيرية.

لم تكن السياسة التعليمية الفرنسية في الجزائر منذ الاحتلال سنة 1830 إلى الاستقلال سنة 1962، مشروعًا تربويًا محايدًا، وإنما كانت جزءًا من المنظومة الاستعمارية التي سعت إلى إحكام السيطرة على المجتمع الجزائري، ليس بالقوة العسكرية والإدارية فقط، وإنما كذلك عبر المدرسة واللغة والثقافة.

 وقد احتلت الفرنسة موقعًا مركزيا في هذا المشروع، باعتبار اللغة إحدى أهم أدوات بناء النفوذ الثقافي وترسيخ النموذج الاستعماري.

فالاستعمار الفرنسي لم يجد أمامه مجتمعًا بلا منظومة تعليمية، بل وجد الكتاتيب والزوايا والمساجد ومؤسسات التعليم التقليدي التي حافظت على القرآن الكريم واللغة العربية والمعارف الدينية والثقافية. ولذلك كان التحكم في التعليم جزءا من التحكم في مقومات الشخصية الجزائرية.

ومع مرور الزمن أصبحت الفرنسية لغة الإدارة والتعليم الرسمي والتطور الاجتماعي، في حين تعرض التعليم العربي إلى التهميش والتضييق، وأصبحت فرص الجزائريين في الوصول إلى التعليم الحديث والعالي محدودة مقارنة بالسكان الأوروبيين.

ومن هنا، فإن الفرنسة لم تكن مجرد تعليم لغة أجنبية بل ارتبطت بمشروع أوسع لإعادة تشكيل المرجعية الثقافية للمجتمع ، فاللغة كانت وسيلة للإدارة وأداة للاندماج في المنظومة الاستعمارية ، وقناة للنفوذ الثقافي ، وبذلك تحولت المدرسة إلى مجال للصراع بين مشروع استعماري يسعى إلى فرض نموذج ثقافي فرنسي ومجتمع جزائري تمسك بعناصر هويته العربية والإسلامية والوطنية.

غير أن السياسة الاستعمارية لم تنجح في القضاء على الشخصية الثقافية للمجتمع الجزائري، فقد حافظت الكتاتيب والزوايا والتعليم القرآني على حضور العربية، كما أسهمت الحركة الإصلاحية الوطنية في الدفاع عن اللغة العربية والتعليم، وتحول التعليم في مراحل لاحقة إلى أحد ميادين المقاومة الثقافية. وهكذا أصبح الدفاع عن العربية والتعليم الوطني جزءًا من الدفاع عن الهوية، إلى أن غاية انتزاع الاستقلال سنة 1962 ليضع الجزائر أمام مهمة تاريخية تتمثل في بناء مدرسة وطنية تتجاوز الإرث الاستعماري.

ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن السياسة التعليمية الفرنسية لا ينبغي أن يبقى حبيس الماضي، بل يمكن أن يشكل مدخلًا لفهم أهمية الإصلاحات التربوية الجزائرية الراهنة، فالمدرسة الوطنية بعد الاستقلال ظلت لعقود مطالبة بتحقيق معادلة دقيقة: استعادة الهوية الوطنية من جهة، والانفتاح على العلوم واللغات والمعارف العالمية من جهة أخرى.

واليوم تدخل المنظومة التربوية الجزائرية مرحلة جديدة من المراجعة والتطوير، فقد أكدت وزارة التربية الوطنية أن الإصلاحات الجارية تستهدف تحسين جودة التعليم، وإصلاح المناهج وتطوير المنظومة بما يواكب التطورات والمتطلبات الوطنية، مع ترسيخ الهوية الوطنية وأصالة المجتمع الجزائري.

  كما أعلنت الوزارة خلال التحضيرات للدخول المدرسي 2026–2027 عن إصلاحات جديدة مرتبطة بتعزيز جودة التعليم.

وهنا تظهر أهمية قراءة الماضي الاستعماري بوعي علمي، فالمطلوب اليوم ليس بناء مدرسة منغلقة على ذاتها، ولا رفض اللغات الأجنبية أو المعارف العالمية، وإنما بناء مدرسة وطنية واثقة من هويتها، منفتحة على العالم ، وقادرة على إنتاج المعرفة بدل الاكتفاء باستهلاكها.

ومن هذا المنظور ، فإن مراجعة المناهج والبرامج ليست مجرد عملية تقنية تتعلق بالحذف والإضافة، وإنما ينبغي أن تكون مراجعة فلسفية وبيداغوجية متكاملة: ماذا نريد أن يتعلم التلميذ؟ وماهي القيم التي نريد أن يحملها؟، ما موقع اللغة الوطنية؟، كيف نوازن بين الهوية والانفتاح؟، وكيف نجعل المدرسة تستجيب للتحولات الرقمية والعلمية والاجتماعية المتسارعة؟

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر في ظل الإصلاحات التي تتجه إليها وزارة التربية الوطنية، والتي ترتبط كذلك بتحسين نتائج المؤسسات التعليمية، ودعم الهياكل التربوية، وتحسين ظروف الأسرة التربوية وجودة التمدرس.

إن المقارنة بين مرحلة الفرنسة الاستعمارية ومرحلة الإصلاح التربوي الحالية لا تعني وضع المرحلتين في مستوى واحد، فالسياقان مختلفان جذريًا، لكن التاريخ يقدم درسًا أساسيا، أن المدرسة ليست مجرد بناية ومناهج وكتب، وإنما هي مؤسسة لصناعة الإنسان وبناء الوعي وتشكيل المستقبل.

 ولذلك، فإن أي إصلاح حقيقي ينبغي أن ينطلق من تصور واضح للإنسان الجزائري الذي نريد تكوينه.

وإذا كانت المدرسة الاستعمارية قد استُعملت في الماضي لتفكيك بعض عناصر الشخصية الوطنية وإعادة إنتاج الهيمنة الثقافية، فإن المدرسة الجزائرية اليوم مطالبة بعكس الاتجاه: ترسيخ الهوية، وتعزيز مكانة اللغة العربية، وتثمين التاريخ والثقافة الوطنية، مع إكساب المتعلم اللغات الأجنبية والمهارات العلمية والرقمية التي تمكنه من المنافسة في عالم متغير.

ومن هنا، فإن الإصلاح التربوي الحقيقي هو استكمال لمسار بناء المدرسة الوطنية ، مدرسة لا تعيش عقدة الماضي، ولا ترفض مكتسبات العصر، وإنما تنتقي من التجارب الإنسانية ما يخدم المجتمع والدولة. فالاستقلال السياسي سنة 1962 أنهى الاستعمار المباشر، لكن بناء مدرسة وطنية ذات جودة وسيادة معرفية يظل مسارا متواصلًا.

وبالتالي، فإن مراجعة المنظومة التربوية اليوم ينبغي أن تفهم باعتبارها مرحلة جديدة من مراحل بناء الدولة الوطنية، الانتقال من مدرسة تشكلت في ظل الإرث الاستعماري إلى مدرسة جزائرية حديثة، ذات مرجعية وطنية وذات قدرة على التكيف مع الثورة الرقمية والتحولات العلمية، وتمنح التلميذ في الوقت نفسه أدوات الانفتاح العالمي دون أن تفقده صلته بلغته وتاريخه وهويته.

لقد كانت الفرنسة في السياق الاستعماري أداة من أدوات الهيمنة، أما تعلم اللغات اليوم فينبغي أن يكون أداة للمعرفة والانفتاح، وبين الأمرين فارق جوهري: الأول يفرض التبعية، والثاني يصنع الكفاءة، وهذه هي إحدى القضايا التي ينبغي أن تستحضرها الإصلاحات التربوية الجديدة وهي تعيد رسم ملامح المدرسة الجزائرية للمستقبل.

مقالات ذات صلة