الرأي

من المتهم في‮ ‬حادثة اغتيال‮.. ‬قسنطينة؟

يفضل الجزائريون دولة وشعبا ممارسة هواية‮ ‬غريبة،‮ ‬وهي‮ ‬اغتيال كل شيء جميل في‮ ‬بلادهم،‮ ‬وهم لا‮ ‬يعلمون،‮ ‬وربما‮ ‬يعلمون بأن اغتيال الجمال هو انتحار مع سبق الإصرار والترصد،‮ ‬محرّم في‮ ‬كل الأديان‮.‬

وما حدث لمدينة قسنطينة في‮ ‬العقود الأخيرة،‮ ‬هو اغتيال حقيقي،‮ ‬لأن الذين سافروا إلى باريس مثلا،‮ ‬ذابوا في‮ ‬تاريخها وثقافتها،‮ ‬بينما الذين ارتضوا العيش في‮ ‬قسنطينة حوّلوها إلى مدينة لا مدنية فيها ولا حضارة،‮ ‬وكان الشيخ عبد الحميد بن باديس‮ ‬يسمّي‮ ‬نفسه عندما كان صحفيا في‮ ‬جريدة النجاح بالقسنطيني،‮ ‬وعندما سئل عن ذلك قال بأن الانتماء إلى مدينة وحاضرة هو فخر له،‮ ‬وعندما نعلم بأن الشيخ الإبراهيمي‮ ‬والتبسي‮ ‬والعقبي‮ ‬شربوا من منبعها،‮ ‬ونعلم بأن فكر مالك بن نبي‮ ‬تأسّس بين أزقتها ومدارسها،‮ ‬وبلغ‮ ‬شعر مالك حداد وكاتب‮ ‬ياسين وأحلام مستغانمي‮ ‬العالمية،‮ ‬وبعثت المدينة مسرحيين وفنانين تشكيليين بلغ‮ ‬صداهم كل القارات،‮ ‬فشرب كل العالم من مائها الزلال،‮ ‬نرجع لنطرح السؤال المؤرق‮: ‬من الذي‮ ‬اغتال قسنطينة؟

ولكن السنوات توالت ولم تتشابه في‮ ‬العقود الأخيرة،‮ ‬وحان موعد احتضان المدينة تظاهرة عاصمة الثقافة العربية،‮ ‬وهي‮ ‬أجدر‮ -‬تاريخيا فقط‮- ‬باحتضان تظاهرة عاصمة الثقافة العالمية،‮ ‬لينكشف المستور وتقدم المدينة وأهلها أنفسهم،‮ ‬على أنهم لم‮ ‬يُخلقوا أصلا للثقافة،‮ ‬إلى درجة أن روائية كويتية كبيرة،‮ ‬زارت المدينة،‮ ‬تساءلت ببراءة إن كان المنظمون أخطأوا الطريق،‮ ‬حيث مكثت أسبوعا كاملا دون أن‮ ‬يزورها أي‮ ‬روائي‮ ‬أو روائية ولو من باب الثرثرة،‮ ‬ولم‮ ‬يحضر ندوتها الأدبية إلا منظفي‮ ‬ومنظفات القاعة‮.‬

في‮ ‬كل دول العالم،‮ ‬غناء الرقص والإثارة،‮ ‬هو الذي‮ ‬يضمن الحضور القوي،‮ ‬ولكن الفن الراقي‮ ‬من موسيقى كلاسيكية أو فن تشكيلي‮ ‬أو صناعة تقليدية لها أيضا‮ -‬على قلته‮- ‬جمهورها الراقي،‮ ‬ولكن الشهور الأربعة التي‮ ‬عاشتها قسنطينة،‮ ‬في‮ ‬زخم هاته التظاهرة الثقافية،‮ ‬أبانت بأن المدينة ماتت ثقافيا،‮ ‬حتى لا نقول حضاريا،‮ ‬وتمت قراءة الفاتحة على روحها ولا أحد‮ ‬يدري‮.. ‬بل إنهم جميعا‮ ‬يدرون‮.‬

نعلم جميعا أن قسنطينة ليست وحدها في‮ ‬الهمّ‮ ‬شرق وغرب،‮ ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬زارها أحمد شوقي‮ ‬ومحمد عبده منذ أكثر من قرن من الزمن،‮ ‬وغنى فيها فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ووديع الصافي‮ ‬وفيروز،‮ ‬وعرض فيها‮ ‬يوسف وهبي‮ ‬وفرقة كراكلا،‮ ‬وشعر بجمهورها محمود درويش ونزار قباني‮ ‬والبياتي،‮ ‬ونعلم بأن كل المدن اختصرت الثقافة‮ – ‬ليس بأمر فوقي‮ – ‬في‮ ‬الشاب خلاص وخالد والزهوانية،‮ ‬بدليل أن أعراس الجزائريين كلها تقام بهاته الأغاني‮ “‬الهابطة فنا‮” ‬من دون تدخل للدولة،‮ ‬ولكن أن‮ ‬يبقى الجميع صامتا،‮ ‬وكل جميل فينا من شجر وزهر ومدنية وبراءة،‮ ‬يُقتل وينكّل به كما هو حاصل لقسنطينة فذاك هو المصاب الجلل الذي‮ ‬لا علاقة له بانهيار أسعار النفط ولا بإرادة الدولة التي‮ ‬لا نبرئها بالتأكيد من هاته التهمة‮.‬

يبقى الإشارة إلى أن لكل الاغتيالات محاسب وفاعل‮.. ‬إلا في‮ ‬اغتيال قسنطينة،‮ ‬فالمتهم بريء حتى ولو ثبتت تهمته؟

مقالات ذات صلة