الرأي

من الوطن إلى المواطنة

عمار يزلي
  • 436
  • 0
ech
صورة تعبيرية

من “الوطن” إلى “المواطن” إلى “المواطنة”، سيرورة طويلة تاريخيا واجتماعيا، بدأت مع عهد نهاية عصر الأنوار، وبداية الرأسمالية الناشئة إثر مخاض عسير في الغرب الأوروبي مع التطور الصناعي والزراعي الذي أحدثته الاكتشافات الجغرافية والاختراعات العلمية.
قبل ذلك، كان “الوطن” أو “الدولة” قائمة على أسس متغيرة بحسب الحقب التاريخية، ولم يكن “الوطن” يشار إليه تاريخيا إلا ضمن “الدولة” أو الإمبراطورية، عندما تتضخَّم موارد الدولة وحاجياتها لمزيد من التوسُّع على حساب حدود الدولة التي قد تكون في شكل أسوار وتحصينات مبنية، مع بوابات من الجهات الأربع، أو أقل أو أكثر. وهذا مع تطور مفهوم الدولة أو الأمة من “القبيلة” إلى “الدولة المدينة”، كما كان يحدث في عهد أثينا والمدن المجاورة لها وإسبرطا المنافسة. بعدها، انتقل شكل الدولة إلى “الدولة الأمة” المعروفة حاليا، قبل أن يستقر مفهوم “الوطن” على الفضاءات الجغرافية ذات الهويات المتقاربة إثر تفتُّت الإمبراطورية الرومانية وظهور الانقسامات وتشكُّل الدول في أوروبا. لكن مفهوم “الوطن”، رغم أنه يتخذ من “المدنية” ومن المدينة حصنا له ولحدوده، فإنه مع الثورة الفرنسية 1789م ومع انتشار الرأسمالية المبشِّرة بحقوق الأفراد والجماعات وتحطيم وثن الإقطاعية المهيمنة لقرون وقبل القرون الوسطى التي أغرقت أوروبا في الظلام لقرون أيضا، كان على “الوطن” أن يرى النور وأن يرى الساكنة بصيص أمل في الحريات الفردية والجماعية التي بشَّرت بها نخب عصر الأنوار. منها، كانت “المواطنة” التي تترجم حرفيا إلى “المدنية”، وهي نفسها، إلا قليلا، التي تحدَّث عنها ابن خلدون، الذي كان يتحدث عن الفرق بين الحضر سكان المدينة وخصالهم وسلوكياتهم ونفسيتهم وبنيتهم الاجتماعية في مقارنة مع البدو والريف. لكن “المدنية” عنده كانت تعني أيضا السلوك والقواعد والانضباط داخل نسيج مختلط كثيف من الأجناس والأعراق واللغات والأعراف والثقافات، خلافا للريف والبادية حيث “نقاوة” العرق والثقافة الواحدة ضمن “القبيلة” الواحدة أو كونفدرالية قبائل، كانت تشكِّل البينة الإدارية والسياسية للدولة.
أمام كل هذا، يحدث معنا في الجزائر، كدولة مغاربية خضعت لنفس شروط التكوين والتأسيس والصراعات ما تحدّث عنه ابن خلدون مطولا في المقدمة وفي كتاب العبر… لقد أنجزنا عبر العقود التاريخية تلك اللحمة ضمن هويات متعددة موحدة ضمنيا، مختلفة ومتميزة، ثرية ومتنوعة داخليا، وانتهت كل هذه الحقب بمقاومة لأكثر من قرن ضد الاحتلال الفرنسي، وانتهى هذا الزمن بثورة مسلحة مظفرة أنجزت الوعد وتأسَّست أول جمهورية جزائرية وهذا من رحم المعاناة ونضال شعبها بكل أطيافه وأعراقه. تأسس الوطن، وتحقق حلم الساكنة الذين كانوا من الصنف الثاني “الأهالي” في استعادة منزلتهم الحقيقية والأصلية كسكان ومواطنين درجة أولى: تأسس الوطن، وتحقق حق المواطن في أن يكون مواطن هذا الوطن، له ما له وعليه ما عليه من حقوق وواجبات، لا فرق بين مواطن وآخر قانونيا ضمن شروط هذه الحقوق إلا من خالف الأسس والمعايير وأخلَّ بنظام الوطن، عندها، قد تستلب منه حقوق المواطنة مؤقتا، ولكنه يبقى مواطنا. حقوق المواطنة التي أخلَّ بها، هي ما يختلف بشأنه المواطنون، وهي صلب موضوع تأسيس الوطن، فمن دون مواطنة وحس مشترك وسلوك متزن للمواطن، لن يكون هناك استقرارٌ ولا أمن ولا تنمية.
“المدنية” أو “المواطنة”، ثقافة وسلوك وعقد اجتماعي يتمثل في تنازلات طوعية للأفراد عن أجزاء من حقوقهم الفردية لصالح الحقوق الجماعية، وهذا لن يحدث اليوم أو غدا، لأنها مرتبطة بحب التملك وغريزة “الإنية” والفردانية. لهذا، لابد من قوانين تضبط سلوك المواطنة.

مقالات ذات صلة