من حقهم أن يفرحوا…
أضاءت الأنوار في أكثر من عاصمة من عواصم العالم، وبكل الألوان، عند منتصف ليلة قدوم السنة الميلادية الجديدة، وبدا لنا مواطنوها عبر شاشات التلفزيون فَرِحين، أو يريدون أن يفرحوا لنسيان هموم سنة مضت. ولعل الكثير مِنَّا تمنى أن تُضَاء عاصمة بلاده كبرلين أو طوكيو أو موسكو أو لندن أو باريس أو غيرها ، أو أن تكون في مستوى نظام وتقدم وقوة هذه العواصم لتحتفل كما احتفلت، وإن كان في أعيادنا وليس في أعيادهم، بنفس النظام وبنفس القوة وبنفس الوحدة والتضامن في الحضارة والدين…
ولكن هل الحياة بالتَّمني؟ هل الحياة بالفرار إلى الآخر ومحاولة العيش في ظل قوته ونظامه وعلمه وأنواره وأعياده؟ أم الحياة في التَّفكر كيف وصل إلى هذه الدرجة من القوة والنظام والتضامن والهيمنة على العالم، في الوقت الذي نحن نأكل مما يُنتجِه ونلبس مما ينسجه، ونُتابع ما يعرفه من أنماط عيش واحتفال عبر تكنولوجيته وأقماره الاصطناعية؟
ألا يُحرِّك ذلك فينا السؤال الكبير: لماذا نريد أن نعيش عالة عليهم، بل ونُريد أن نُشاركهم الأفراح التي من حقهم أن يفرحوا بها، ونُزاحمهم في ديارهم وهم لنا رافضون؟
ما الذي يمنعنا من أن نكون في مستوى قوتهم ونظامهم وعلمهم وتطورهم ونظافة مدنهم، ومن أن نُنير الأنوار التي نصنعها بأنفسنا في أعيادنا وليس في أعيادهم؟
هو شيء واحد يمنعنا من ذلك: أننا لا نعمل وهم يعملون؟ أننا لا نختار أفضل السياسات للتقدم والتطور وتحسين المستوى وهم يفعلون؟ أننا على خلافهم نُريد أن نصل إلى درجة ازدهارهم دون أن نبذل من الجهد ما بذلوه ودون أن نكون في مستوى القيادة والتسيير الذي وصلوا إليه، ودون أن نبلغ العلم الذي بلغوه.
ينبغي أن نعترف بأنهم تفوقوا لأنهم أكثر إيمانا بحضارتهم وبعملهم وعلمهم مِنَّا، وأن من حقهم أن يفرحوا بتفوقهم هذا، وأن يفرحوا أكثر، لأننا مازلنا في سُباتنا العميق، ننتظر منهم المأكل والمشرب والملبس والسيارة والطائرة والدواء… وبعضنا ينتظر يوم يُشعلوا أضواء الفرح ليتسلل بين صفوفهم واهما أنه مرغوب فيه بينهم، وأنه يفرح كما يفرحون.
ألا يوجد أكثر من هذا ليُنبِّهنا لماذا أكثر عواصمنا حظا تعيش على هامش عواصم العالم، وأقلها من ذلك الحظ تعيش الحرب والاقتتال والفوضى وتخاف أن تُصبح غدا بلا بواخر تؤمِّن لها الغذاء؟ أليس من واجبنا أن نطرح على أنفسنا أسئلة التقدم والتخلف؟ أسئلة النظام والفوضى، أسئلة العلم والجهل؟ أسئلة الحرب والسلم؟ بدل أن نُطفئ جميع الأنوار وننام مبكرين مطمئنين أننا خالفناهم في أعيادهم، وغدا عندما نصحو ننسى أن كل ما هو من بين أيدينا إنتاجهم وصناعتهم، حتى تلك المصابيح التي أطفأناها قبل أن ننام… أليس من حقهم أن يفرحوا بهذه الحال؟ بحالنا قبل حالهم!