-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
فاجعة بومرداس جرح جديد في ذاكرة مدينة

من رحلة إلى البحر إلى مواكب جنائز… العلمة ترتدي السواد وتودع أبناءها

سمير مخربش
  • 344
  • 0
من رحلة إلى البحر إلى مواكب جنائز… العلمة ترتدي السواد وتودع أبناءها
ح.م

لم يكن صباح السبت يشبه أي صباح عرفته مدينة العلمة بولاية سطيف. المدينة التي اعتادت أن تستيقظ باكرا على وقع حركة الشاحنات، وصخب الأسواق، وأصوات الباعة والمتسوقين القادمين من مختلف ولايات الوطن، بدت وكأنها استيقظت هذه المرة على صمت ثقيل كان سيد المكان، وكأن أرواح ضحايا الحافلة التي انطلقت من هنا نحو شواطئ بومرداس، عادت لتحلق فوق كل حي وزاوية.
منذ الساعات الأولى للصباح خرجنا نجوب شوارع العلمة لنرصد كيف استقبلت المدينة خبر الحافلة التي انطلقت من هنا نحو شواطئ بومرداس، قبل أن تنحرف وتسقط في منحدر مخلفة 27 قتيلا و42 جريحا. لم نكن بحاجة إلى سؤال أحد عما حدث، فملامح الناس كانت كافية لتروي الحكاية. الوجوه شاحبة، والحديث يدور بصوت منخفض، وكل من نصادفه يردد العبارة نفسها: “الله يرحمهم”.
في حي دبي، القلب التجاري للعلمة، كانت أبواب المحلات الحديدية موصدة بالكامل. ذلك الحي الذي يصعب عادة العثور فيه على مكان لركن سيارة، بدا خاليا إلا من بعض المارة الذين يتبادلون نظرات الصدمة. لم يكن قرار غلق المحلات مجرد استجابة للحداد الوطني الذي أعلنه رئيس الجمهورية، بل كان تعبيرا صادقا عن وجع مدينة فقدت أبناءها دفعة واحدة.
الأمر نفسه تكرر في حي بلعلى، أحد أشهر الأحياء التجارية بالعلمة، حيث اعتاد السكان رؤية حركة لا تهدأ منذ ساعات الصباح، خاصة مع توافد النساء على المحلات، غير أن المشهد هذه المرة كان مختلفا تماما. أبواب موصدة، وأرصفة فارغة، وصمت ثقيل جعل الحي يبدو وكأنه فقد روحه.
وأثناء تجوالنا، لفت انتباهنا انتشار لافتات كتب عليها: “تمهل جنازة”، نصبت عند مداخل الشوارع والأحياء بعد ما جلبت من مساجد المدينة لتنظيم حركة المرور. كانت تلك اللوحات شاهدا على أن الموت حل ضيفا ثقيلا في أكثر من حي، وأن المدينة كلها تحولت إلى بيت عزاء كبير. إلى جانبها انتشرت خيم العزاء في عدد من الأحياء، بينما لم تتوقف الوفود القادمة لأداء الواجب.

مدينة أغلقت متاجرها… وفتحت بيوت العزاء
كانت أولى محطاتنا بحي السوامع، حيث استقرت الفاجعة داخل منزل فقد كل شيء. هنا انتهى دفتر عائلة بأكمله. الأب كامل وليد، وزوجته، وابنتهما الصغيرة أروى ذات العامين، خرجوا بحثا عن يوم للراحة والاستجمام على شاطئ الصغيرات ببومرداس، لكنهم لم يعودوا. آخر رحلة للعائلة كانت أيضا آخر صفحة في حياتها.
داخل البيت كان الصمت أبلغ من الكلمات. شقيق الضحية جلس وقد ارتسمت على وجهه علامات الذهول، ولم يقو على الحديث. كانت الدموع تسبق كل محاولة للكلام. وبين الحضور سجلنا تواجد مدير الشؤون الدينية لولاية سطيف رفقة عدد من الأئمة الذين قدموا لتعزية العائلة ومواساتها، في مشهد امتزجت فيه كلمات الصبر بمرارة الفقد.
وعلى بعد أمتار، كان حي بوخبلة يعيش المأساة نفسها. عائلة بوقرة فقدت الأب وابنته التي كانت فرحتها لا تزال حديث الجيران بعد نجاحها في شهادة البكالوريا. لم تمهلها الحياة كثيرا لتفرح بنتيجة سنوات الدراسة، فكانت الرحلة الصيفية آخر محطة في حياتها.
وفي حي مازوكة، لم تكن المأساة مجرد رقم جديد يضاف إلى قائمة الضحايا، بل قصة أسرة انكسر عمودها برحيل الأم التي تركت وراءها أربعة أبناء، أكبرهم يزاول دراسته في الطور المتوسط. داخل بيت العزاء كان الابن يجلس في زاوية المنزل شارد الذهن، وعيناه تلاحقان وجوه المعزين من دون أن ينطق بكلمة، فيما كان الحاضرون يروون آخر لحظاته مع والدته.
ويروي أحد أقارب العائلة أن الأم استيقظت في ساعات الصباح الأولى قبل موعد الانطلاق، وتوجهت إلى غرفة ابنها الذي لم يرافقها في الرحلة. أيقظته برفق، ثم قبلته على جبينه وهمست له بعبارة لن تغادر ذاكرته ما بقي حيا: “اتهلى في روحك”. لم يكن الابن يدرك أن تلك الكلمات ستكون آخر ما يسمعه من والدته، وأن القبلة التي ودعته بها ستكون الوداع الأخير. وما إن وصله خبر الحادث، حتى ظل يردد وسط ذهول من حوله: “هذه آخر كلمة قالتها لي أمي”. عبارة قصيرة، لكنها اختزلت وجع أسرة كاملة، وتحولت إلى أكثر المشاهد إيلاما داخل بيت العزاء، حيث لم يتمالك كثير من الحاضرين دموعهم وهم يستحضرون تفاصيل تلك اللحظات الأخيرة.
أما في حي “المنكوبين”، فقد اجتمعت المأساة بكل تفاصيلها. الزوج والزوجة وأحد أبنائهما فارقوا الحياة، بينما أصيب ثلاثة أبناء آخرين بجروح. داخل خيمة العزاء التقينا شقيق رب الأسرة، الذي قال بصوت متقطع إنه لم يكن يعلم أصلا أن أخاه سافر في تلك الرحلة. وما إن وصله خبر الحادث حتى شد الرحال إلى بومرداس، ليجد نفسه أمام كارثة لم يكن يتخيلها. لم يجد الرجل ما يقوله سوى: “إنا لله وإنا إليه راجعون”، “الحمد لله على كل حال”، قبل أن تغلبه الدموع.
ولم تكن تلك سوى نماذج من عشرات القصص التي مزقت قلوب سكان العلمة. فهناك أيضا أب بقي وحيدا بعد ما فقد ستة من أفراد أسرته، بينهم ثلاثة أبناء، وشقيقتان، ووالدتهم، الذين فارقوا الحياة في عين المكان. ورغم هول المصاب، ظل يردد لكل من جاء لتعزيته: “الحمد لله… لا مرد لقضاء الله”.
في تلك اللحظات لم تكن المدينة تتحدث عن حادث مرور، بل عن أحلام توقفت، وموائد لن يجلس حولها أصحابها من جديد، وأطفال سيكبرون وهم يحملون صور آبائهم وأمهاتهم بدل أيديهم.

المتطوعون أمضوا الليل في حفر القبور
مع اقتراب موعد تشييع الضحايا، تحولت المدينة بأكملها إلى موكب جنائزي مفتوح. باستقبال الدفعة الأولى التي تضم 12 ضحية نقلتها سيارات الإسعاف التابعة للحماية المدنية باتجاه بيوت العزاء لإلقاء النظرة الأخيرة، ثم حولت مباشرة إلى مقبرة العلمة، فيما تدفقت جموع المواطنين نحو مقبرة العلمة التي استعدت منذ الليلة السابقة لاستقبال أكبر عدد من الجنائز عرفته المدينة منذ سنوات.
فمنذ الساعات الأولى كان متطوعون قد أمضوا الليل في حفر القبور وتجهيزها لاستقبال الجثامين داخل توابيتها. صفوف القبور الجديدة كانت شاهدة على حجم الكارثة.
ازدحم محيط المقبرة بآلاف المواطنين الذين توافدوا من مختلف الأحياء، بعضهم للمشاركة في تشييع الضحايا، وآخرون لتقديم يد العون. وشهدت الطرقات المؤدية إليها اختناقا مروريا، بينما سخر عدد من المواطنين مركباتهم الخاصة لنقل كبار السن والوافدين إلى المقبرة.
وفي صورة أخرى جسدت روح التضامن التي اشتهرت بها المدينة، وزع شباب متطوعون قوارير المياه المعدنية على الحاضرين تحت حرارة الصيف، فيما تكفلت نساء بإعداد وجبات الطعام داخل المنازل قبل إرسالها إلى المقبرة، حيث تولى عشرات الشبان توزيعها على المعزين ورجال الأمن والمتطوعين وكل من حضر لتوديع الضحايا. لم يسأل أحد عن هوية من يأكل أو يشرب، فالمدينة كلها كانت عائلة واحدة في هذا اليوم.
وسجلت بالمقبرة تعزيزات أمنية كبيرة، بحضور أفراد الشرطة والدرك الوطني والحماية المدنية، لتأمين مراسيم التشييع واستقبال الوفود الرسمية، وفي مقدمتها وزير الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية والنقل سعيد سعيود، إلى جانب وزير الصحة محمد الصديق آيت مسعودان، فضلا عن ممثلي السلطات المحلية وعدد من الجمعيات الخيرية التي ساهمت في تنظيم عمليات الاستقبال والتكفل بالوافدين، فيما سخرت بلدية العلمة كل إمكاناتها لتهيئة المقبرة وضمان سير مراسيم الدفن في ظروف مناسبة.
وعندما وصلت مواكب الجنائز، ارتفعت أصوات التكبير والدعاء، واختلطت بدموع الرجال. كانت لحظات ثقيلة، لم تستطع فيها المدينة أن تخفي وجعها. توابيت متتالية، وعائلات تنتظر الوداع الأخير، وأطفال يبحثون بين الوجوه عن آبائهم وأمهاتهم الذين لن يعودوا. أحد الحضور من أهل الضحايا ارتمى في أحضان وزير الداخلية وهو يردد “ربي يرحمهم”، بينما كان الوزير يواسيه ويهدئ من روعه.
ويجمع كثير من سكان العلمة على أن هذا اليوم سيبقى محفورا في ذاكرة المدينة، لأنه أعاد إلى الأذهان واحدة من أقسى المحطات التي عرفتها، حين اجتاحت فيضانات وادي حي الباطوار سنة 1981 المدينة، مخلفة نحو 40 قتيلا وعشرات الجرحى. يومها أيضا لبست العلمة السواد، ويومها أيضا خرج الناس يحملون بعضهم بعضا وسط الدموع والذهول.
وبين الأمس واليوم، تغيرت الأسباب، لكن الألم بقي واحدا، والدموع بقيت هي اللغة الوحيدة التي يتقنها أهل العلمة عندما يفقدون أبناءهم.
لقد وقع الحادث في بومرداس، لكن المدينة التي دفعت الثمن كانت العلمة. هنا لم تكن الفاجعة مجرد خبر عاجل، بل تحولت إلى حزن جماعي، وإلى يوم أسود ستتداوله الأجيال طويلا، باعتباره اليوم الذي خرج فيه أبناء المدينة إلى البحر، فعادوا إلى أهلهم على الأكتاف.
وعندما ووريت الجثامين الثرى، لم يكن الحاضرون يشيعون ضحايا حادث مرور فحسب، بل كانوا يودعون جزءا من ذاكرة مدينة بأكملها. وفي تلك اللحظة، بدا واضحا أن الطريق الذي بدأ من العلمة باتجاه شواطئ بومرداس لم ينته عند المنحدر الذي انقلبت فيه الحافلة، بل امتد إلى كل بيت فقد عزيزا، وكل متجر أغلق أبوابه، وكل أم احتضنت أبناءها خوفا من وداع جديد. فقد تركت الفاجعة فراغا في بيوت كثيرة، ومقاعد لن يجلس عليها أصحابها، وغرف أطفال ستبقى ألعابهم فيها شاهدة على رحلة خرجوا إليها بحثا عن نسمة بحر، فرحلوا إلى الأبد وتركوا مدينة بكاملها تعيش ألم الفقد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!