من زنزانة الاستعمار إلى ذاكرة الأحرار.. حكاية جميلة بوحيرد بعيون “الجزيرة 360”
عرضت منصة “الجزيرة 360” فيلماً وثائقياً ضمن سلسلة “محاكمات”، يسلط الضوء على أيقونة الثورة الجزائرية، جميلة بوحيرد، التي خطت اسمها بأحرف من ذهب في تاريخ النضال الوطني، حيث أبدعت الفنانة سارة لعلامة في تجسيد شخصيتها، وتقديم صورة حية لمسيرتها البطولية.
وقبل عرض الحلقة، قام المعلق الجزائري حفيظ دراجي بتشويق متابعيه قائلا: “حكايتها حكاية، جميلة بوحيرد، حُكم عليها بالإعدام وعمرها 22 سنة، وعُذبت عذابا لم يسبق له مثيل، قبل أن يُلغى الحكم، بتدخل من لجنة حقوق الانسان بالأمم المتحدة”.
رابط الحلقة ( المجاهدة جميلة بوحيرد أيقونة الثورة الجزائرية )https://t.co/AG2fEYPuaP pic.twitter.com/6aBEzTTD2b
— hafid derradji حفيظ دراجي (@derradjihafid) September 18, 2025
وخلال عرضها الفيلم الوثائقي الذي استغرق نحو 43 دقيقة، استشهدت الجزيرة بآراء وشهادات محامين ومؤرخين جزائريين وفرنسيين، من بينهم الأكاديمي الجزائري محمد رزيق الذي استعرض نبذة من حياة جميلة التي ولدت في الجزائر العاصمة سنة 1935.
تابع رزيق: “كغيرها من الفتيات الجزائريات، عانت كثيرا نظرا للسياسة الاستعمارية الغربية الغاشمة التي كانت مطبقة في الجزائر منذ الاحتلال في 5 جويلية 1830.
وكشف الوثائقي، جزءً من الحياة الاجتماعية للمجاهدة الجزائرية جميلة وهي طفلة صغيرة، حيث ظهرت في الفيلم وهي تلّون علم الجزائر، ليخبرها والدها أنها ستكون لها ذات يوم قصة عظيمة.
وبالفعل، استعرضت “منصة 360” جزء من طفولة بوحيرد التي كانت تنبئ بأنها لن تكون مجرد طفلة عادية، حيث رصدت إحدى محطاتها المهمة وهي تعبر عن تضايقها عند سماع النشيد الفرنسي ورفع العلم داخل المدرسة.
هذا الأمر، دفع المدير إلى استدعائها في مكتبه وسألها عن سبب عدم وقوفها لتحية العلم، فقالت: “لأنه ليس علم بلادي”، ما جعله يذكّرها بالعواقب الوخيمة للعصيان.
وأكد المؤرخ محمد رزيق أن تربية بوحيرد في القصبة ومدارسها وزخمها الثقافي والاجتماعي جعلها ناقمة عن الاستعمار الفرنسي، باحثة عن الفرصة المواتية لتعبر عن انتمائها وتوجهها وهو ما تحقق لها مع اندلاع ثورة التحرير التي سمحت بظهور عشرات الجميلات.
في نفس السياق، قالت المحامية عائشة بن براهم، أن المرأة الجزائرية كانت متساوية مع الرجل في النضال، وعلاوة على ذلك شكلت النساء قوات “كوماندوس” اللواتي تحلقن جميعهن حول القائد ياسف سعدي.
من جهتها، قالت الباحثة في المركز الفرنسي للبحث العلمي، سيلفي ثينولت، “بصفتي مؤرخة، أجد أنه من المهم حقا استعادة السياق المحيط بها، وأقول إنها بحق كانت انعكاسا للشابات الجزائريات اللواتي التحقن بالجيش الجزائري سنة 1957 إلى جانب ياسف سعدي”.
وبالفعل، ظهرت بوحيرد بجانب فتانين وهن مندمجات ضمن خطة أعدها ياسف لوضع حقائب مفخخة في أماكن يرتادها فرنسيون مؤكدة أنها ستنجح وستنتصر الجزائر.
وعن سبب اختيار جميلة ورفيقاتها لمهمة وضع المتفجرات، أكد المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا، أن بوحيرد وزميلاتها جُندن لأنه كان لديهن في الغالب مظهرا أشبه بالأوروبيين ليذهبن لاحقا إلى الحي الأوروبي لأنه في تلك المدينة، لم يكن بإمكان الجزائريين الدخول بحرية، ومن ثمة كان هناك حاجة إلى أشخاص يمكنهم التسلل بطريقة عادية لزرع متفجرات في مقاهي مخصصة للفرنسيين.
وصوّر الفيلم لحظة دخول بوحيرد إلى إحدى المقاهي ووضع حقيبة متفجرات تحت الطاولة لتنسحب بعدها دون أن تلفت الانتباه.
وخلال إطلاق النار متبادل مع الجنود الفرنسيين، حينما كانت برفقة ياسف سعدي، أصيبت جميلة برصاصة ليلقي عليها القبض مما أجبر الجيش الفرنسي على نقلها إلى مستشفى باب الواد.
وأمضت بوحيرد ما يقرب من أسبوعين في قبضة الجنود الذين اعتقلوها وكان ذلك نتيجة نظام القمع المطبق في الجزائر العاصمة بدء من جانفي 1957، وهكذا فإن المصير الذي ينتظر جميلة هو الإعدام.
فتحت جميلة عينيها لتجد نفسها مكبلة اليدين بالمستشفى وأخبرتها الممرضة أنه لا أحد يخرج من هنا إن لم يتحدث، وهناك تم استجوابها حول من يصنع القنابل، إلا أنها كانت ترفض الاجابة، ليتم تعريضها لأشد أنواع التعذيب.
وبعد أسبوعين، عٌرضت على المحاكمة، وكان الحكم مسبقا وصوريا لذلك كان هناك العديد من المحامين الذين قادوا هذه المعركة مخاطرين بنشاطهم المهني.
من بين المحامين، شابا مناهضا للاستعمار وهو المحامي جاك فيرجيس الذي انضم الى جبهة التحرير، وأثناء المحاكمة وُجهت تهم ثقيلة لجميلة بوحيرد، من بينها حمل المتفجرات بطرق غير مشروعة.
طلب المحامي من بوحيرد أن تفعل ما طلبه منها، حيث نفت أن تكون فرنسية عندما سألها القاضي، وأجابته بأنها جزائرية، ما يعني أن المعايير الفرنسية لا تنطبق عليها واعتبر محاميها أن هذه المحاكمة انتقامية.
وكان من المفترض ان تستمر المحاكة ثلاثة أيام، ولكن ما حدث في الإجراءات تسبب في إطالتها أكثر، وبعد استئناف المحاكمة، حُكم عليها بالإعدام شنقا وهو نفس الحكم الذي أُصدر في حق جميلة بوعزة.
أدرك المحامي فيرجيس أن هذا النوع من المحاكمات يجب إخراجه من المحكمة والسفر بها حول العالم، وفقا لتصريح المحامية الجزائرية بن براهم.
عرض جاك قضية بوحيرد على الكاتبين جورج أرنو وفرنسوا مورياك، حيث كانا لديهما تأثيرا كبيرا على رئيس الجمهورية وفي الأشخاص النافذين، حيث عمّمت محاكمة بوحيرد.
وفي عالم 1958 قام المخرج المصري يوسف شاهين بنقل مصير وحياة جميلة إلى الشاشة التي تحولت إلى أيقونة في العالم العربي ما جعل السلطات الفرنسية التي حكمت عليها بالإعدام تتراجع عن الحكم، وتعدله إلى السجن مدى الحياة.
كان ذلك جزء من المفاوضات السياسية التي حدثت والتي انتهت باتفاقيات ايفيان في مارس 1962، ونُظر في قضية بوحيرد لأنها حظيت بترويج إعلامي كبير، وباتت قضيتها معروفة على المستوى الفرنسي والعالمي والعربي، حيث أطلق سراحها من سجن بربروس وسط تغطية إعلامية كبيرة، وصارت أيقونة النضال في كل بقاع الأرض.