من شيطنة الجنائية الدولية إلى شيطنة اليونيفيل والأونروا
إسرائيل تشيطن كل شيء، وتحتفظ لنفسها بصفة الكيان البريء الذي يعمل لصالح البريئة ومستقبل البشرية، فبعد اتهامها للجنائية الدولية بأنها منظمة غير مرغوب فيها، واتهامها لقوات اليونيفيل بأنها تعيق عمل الجيش الإسرائيلي، جاء الدور على منظمة الأونروا التي يثار بشأنها نقاش حاد في الكنيست الإسرائيلي بوصفها منظمة إرهابية مخترَقة ومختطَفة من قبل حماس التي توجهها حيثما تريد، وتشاركها في أعمالها “الإرهابية” ضد إسرائيل، وهي مزاعم أطلقها اليمين المتطرف وتحمس لها “بن غفير”، الذي أعلن النفير داخل الكنيست الإسرائيلي من أجل سن قانون يحظر عمل الأونروا ويحظر التعامل معها بأي شكل من الأشكال.
لقد انتقلت إسرائيل من تحدي القانون الدولي إلى تحدي المؤسسات الدولية، إذ نصّبت نفسها “دركي العالم” الذي من حقه دون غيره ملاحقة كل كيان محلي أو إقليمي أو أممي، لا يسبِّح بحمدها ولا يعترف بـ”حقها” في تأديب “الغوييم” الذين يشقون عصا الطاعة على دولة إسرائيل التي وُجدت لتبقى ووُجد غيرها ليخدمها ويأتمر بأمرها ونهيها.
تريد إسرائيل تشويه المنظمات الدولية بعدما أحست بأن كل العالم، حتى عالم العمي والصم والبكم الذي ظل لسنوات طويلة لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم، قد أفاق من غفوته وتيقن بأن وراء كل مأساة إنسانية كيان دخيل اسمه “إسرائيل”، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون. لقد انقسم العالم بعد هذه الصحوة إلى عالمين: عالم مجرم تمثله إسرائيل ومن لف لفها وعمل عملها، وعالم مسالم يمثله باقي العالم التواق إلى السلم والحرية والمناهض للفاشية والامبريالية.
إسرائيل هي الابن الضال الذي لا يقيم وزنا للتشريعات السماوية والوضعية، ويرى مصلحة العالم حيثما تكون مصلحة إسرائيل، ويرى الصلاح والفساد بمنظار: “وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون”. إن هذا الابن الضال الذي اسمه “إسرائيل” قد مرد على الفساد بل إنه يعمل على شرعنة هذا الفساد بمنطق غريب عجيب، يقلّب الأمور ويزيف الحقائق ويغير الوقائع ثم يسوّقها إلى العالم على أنها الحق المبين والصراط المستقيم، ويصدّقها بعض الحمقى ممن عطلوا عقولهم وفسدت وسائل الإدراك لديهم.
تحارب إسرائيل كل كيان يفضح سياستها العنصرية ويحارب خططها الفاشية أو يكشف القناع عن كبار مجرميها ممن خاضوا في الدماء إلى الركب ونشروا الرعب واستهوتهم صورة الأشلاء الممزقة، ومن هؤلاء المجرمين نتن ياهو الذي ينافس على وسام “الأكثر جرما” بعد أن بلغ عدد ضحاياه ألوفا مؤلفة ذنبهم أنهم خُلقوا فلسطينيين ورفضوا طقوس التعميد وسياسة التطويع التي يمارسها هو وزبانيته.
شنت إسرائيل حملة شعواء على الجنائية الدولية واتهمتها بأنها قد أصبحت لعبة في يد جنوب إفريقيا وفي يد الدول “المعادية للسامية”، وكالت التهم ما ظهر منها وما بطن للمدعي العام للجنائية الدولية كريم خان بعد مطالبته بإصدار مذكرة اعتقال بحق نتنياهو وغالانت بعد أن وجهت إليهما تهم الإبادة والقتل العمد، وهي المذكرة التي تضم أيضا قيادات حمساوية، وهو الضم الذي فسّره بعض الحقوقيين على أنه حرص من الجنائية الدولية على العدالة في توزيع التهم وتقسيم مسؤولية الجرم من أجل إثبات حيادية الجنائية الدولية.
إن هدف إسرائيل من شيطنة الجنائية الدولية وشيطنة اليونيفيل وشيطنة الأونروا، هو محاولة طمس الحقيقة وإخفاء آثار الجريمة ومنع كل أشكال المساعدات الإنسانية والحملات الدولية لإنقاذ الفلسطينيين وإغاثة من بقي منهم على قيد الحياة ممن لم تطله آلة الإجرام الصهيوني. لماذا تركز إسرائيل اهتمامها على الجنائية الدولية واليونيفيل والأونروا وتتهمها بالانحياز إلى خصومها ورعاية الإرهاب وتتناسى المنظمات الصهيونية التي هي رأس الإرهاب، منظمة أرغون والهاجاناه وما يقوم به الشاباك والموساد من أعمال إجرامية يعجز وصفها؟
وشنت إسرائيل حملة شعوا مماثلة على قوات “اليونيفيل” في لبنان، واعتدت على عناصرها، وأمرتها بالابتعاد عن منطقة النزاع مع أنها وُجدت لفض النزاع، وبررت ذلك بحرصها على أرواح قوات اليونيفيل ولعمري متى كان الذئب راعيا للغنم ومتى كان اللص حارسا للمنزل!؟.
وأطلق نواب اليمين المتطرف في الكنيست الإسرائيلي العنان لأنفسهم، فطفقوا يتحدثون عما يسمونه “جرائم الأونروا “، التي وصفوها بأنها ذراع من أذرع حماس التي يجب قطعها حماية للأمن القومي الإسرائيلي، ثمّ سنّوا قانونا لحظر عملها في فلسطين المحتلة، وليس فيما قاله هؤلاء النواب ما يثبت ذلك ولو بأضعف الإيمان. لقد سخرت مما سمعت من نواب يمينيين متطرفين يؤدون دور حاطب الليل، ويحاولون التلفيق ما استطاعوا لكي يثبتوا من غير توفر أدلة إثبات ما يسمونه “انحراف الأونروا عن مهامها وتحولها من منظمة إغاثية إلى منظمة إرهابية”!
كل ما في جعبة النواب اليمينيين رواية خرقاء وجوفاء حول الشهيد محمد أبو عطيوي وهو قائد في قوة النخبة التابعة لكتيبة البريج في لواء مخيمات الوسطى التابع لحركة حماس والذي عمل موظفا لدى وكالة الأونروا اعتبارا من شهر جويلية 2022. قتل سلاح الجو الصهيوني محمد أبو عطيوي ثم طفقت إسرائيل تنسج حول مقتله روايات مختلقة فاتهمته بالضلوع في خطف وقتل مدنيين إسرائيليين وطالبتها الأمم المتحدة بإثباتات تؤكد صحة هذه الادّعاءات فلم تقدّم شيئا منها لأنها ببساطة لا تملكها، كما قالت عن يحيى السنوار بأنه قد وجد بحوزته بعد مقتله وثائق تثبت انتسابه لمنظمة الأونروا.
ومهما يكن أمر الانتساب من عدمه، فإنّ منظمة الأونروا هي منظمة إنسانية إغاثية مفتوحة للكل تعمل تحت سلطة الأمم المتحدة وليس تحت سلطة إسرائيل، ولذلك ليس من حق هذه الأخيرة محاكمتها في الكنيست بخلفية عدائية، انتقلت فيها إسرائيل من معاداة أنطونيو غوتيريش إلى معاداة الأمم المتحدة إلى معاداة العالم.
إن هدف إسرائيل من شيطنة الجنائية الدولية وشيطنة اليونيفيل وشيطنة الأونروا، هو محاولة طمس الحقيقة وإخفاء آثار الجريمة ومنع كل أشكال المساعدات الإنسانية والحملات الدولية لإنقاذ الفلسطينيين وإغاثة من بقي منهم على قيد الحياة ممن لم تطله آلة الإجرام الصهيوني. لماذا تركز إسرائيل اهتمامها على الجنائية الدولية واليونيفيل والأونروا وتتهمها بالانحياز إلى خصومها ورعاية الإرهاب وتتناسى المنظمات الصهيونية التي هي رأس الإرهاب، منظمة أرغون والهاجاناه وما يقوم به الشاباك والموساد من أعمال إجرامية يعجز وصفها؟
إن هدف إسرائيل من حملتها ضد الأونروا والتي وصلت إلى أروقة الكنيست وصادق على قانون يحظر عملها في فلسطين المحتلة، هو قطع كل سبل العيش لآلاف اللاجئين الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، الذين أخطأتهم صواريخ نتن ياهو ويراد لهم أن يموتوا موتا بطيئا بالإمعان في سياسة التجويع والحرمان من أبسط ضروريات الحياة.
على الأمم المتحدة أن تتحرك سريعا لمنع إسرائيل من تنفيذ مخططها الجهنمي من خلال سن قانون حظر الأونروا الذي يعني بكل وضوح استمرار المأساة والمعاناة في مخيمات اللاجئين وتعريضهم لكل الأخطار التي تهدد حياتهم وحياة أبنائهم. إن الواجب الإنساني والأخلاقي يفرض على الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن يسارع إلى كبح جماح إسرائيل حفظا لهيبة الأمم المتحدة من خلال تفعيل دور مؤسسات الأمم المتحدة في حماية الإنسان وتطبيق بنود القانون الدولي الإنساني.
إن موقف الأونروا من القانون التعسفي الذي أقره الكنيست الإسرائيلي بحظر نشاطها في فلسطين المحتلة ينبغي أن يتجاوز التنديد إلى التنفيذ لأن القانون يمس بسمعة الوكالة، كما قال المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين فيليب لازاريني إن القرار الإسرائيلي بحظر الوكالة لن يؤدي سوى لتعميق معاناة الفلسطينيين وخاصة في غزة. وأضاف لازاريني بأن الحظر الإسرائيلي هو الأحدث في حملة إسرائيلية جارية لتشويه سمعة الوكالة ونزع الشرعية عن دورها.
ما دام أن الهدف من الحظر الصهيوني لوكالة الأونروا هو بالأساس تشويه سمعة الوكالة ونزع الشرعية عنها، ألا يمثل هذا دليلا كافيا للأونروا للتحرك من أجل إبطال هذا القرار ولو أن ذلك مستبعد لأن إسرائيل ما كان لها أن تفكر في ذلك لولا تلقيها للضوء الأخضر من جهات معروفة ولم تعد خافية على أحد؟